تيارات ماييه صاعده (انبثاق)
Upwelling -

التيارات المائية الصاعدة

محمد منصور بكر

ميكانيكية تشكّل التيارات المائية الصاعدة  إنتاجية مناطق التيارات المائية الصاعدة
مؤشر شدة التيارات المائية الصاعدة (الانبثاق) العلاقة بين التيارات المائية الصاعدة والمناخ
أنماط التيارات المائية الصاعدة تهديدات الأنظمة البيئية في مناطق التيارات الصاعدة
أماكن التيارات المائية الصاعدة  
 

التيارات المائية الصاعدة (الانبثاق) Upwelling ظاهرة بحرية تنتج عندما تهب رياح بحرية قوية موازية للشاطئ (غالباً موسمية)، وتحمل المياه من الشاطئ نحو عرض البحر؛ مما يؤدي إلى حدوث فراغ تغطيه مياه صاعدة من الأسفل؛ أو بتعبير آخر: الانبثاق مجرد تيار شاقولي صاعد من المياه العميقة الباردة الكثيفة والغنية بالأملاح المغذية نحو السطح  لتحل محل المياه السطحية الساخنة والفقيرة بالأملاح المغذية والتي تحركت لسبب ما؛ حيث تحفز تلك المياه الغنية بالمغذيات تكاثر العوالق النباتية (المنتجات الأوالي الأساسية في البحار) ونموها. ونتيجة للكتلة الحيوية الكبيرة للعوالق النباتية ووجود المياه الباردة في تلك المناطق، يمكن تحديد مناطق الانبثاق من خلال الحرارة المنخفضة للمياه السطحية والتركيز المرتفع للكلوروفيل. ينجم عن زيادة مناطق الانبثاق ارتفاع في الإنتاج الأولي البحري ومن ثمّ الإنتاج السمكي؛ حيث إن 40% من الإنتاج السمكي البحري يأتي من مناطق الانبثاق التي لا تشكّل إلا 3% من مساحة المحيطات، وهي تكثر –عموماً- في الشواطئ الشرقية للمحيطات الثلاثة المعروفة.

ميكانيكية تشكّل التيارات المائية الصاعدة  

تشترك ثلاثة عوامل رئيسية في التسبب في التيارات المائية الصاعدة، هي: الرياح، وقوة كوريوليس Coriolis force الناجمة عن دوران الأرض، ونقل أو حلزون إيكمان Ekman spiral. تعمل تلك العوامل بطرائق مختلفة لأنواع مختلفة من الانبثاق، ولكن التأثيرات العامة هي نفسها.

- الرياح: للرياح تأثير ميكانيكي في سطح المحيطات، يؤدي إلى نشوء التيارات السطحية؛ ففي إطار محيط مثالي يشكل اتجاه التيارات السطحية زاوية قدرها 45° مع اتجاه الرياح، وتميل نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي. تحت تأثير اللزوجة وقوة كوريوليس تنتقل هذه الحركة شاقولياً في العمود المائي مع انخفاض في الشدة مع العمق ودوران الاتجاه نحو اليمين مشكّلة حلزون إيكمان(الشكل 1).

الشكل (1) حلزون إيكمان، تأثير الرياح، نقل إيكمان.

 

إذا هبّت رياح موازية للشاطئ، من الشمال إلى الجنوب في محيط مثالي وبوجود شاطئ؛ فإن تيار الانحراف يحمل المياه نحو عرض البحر، وبذلك يمثّل سطح البحر ميلاً هابطاً نحو الشاطئ؛ مما يستدعي صعود المياه من الأسفل لتعويض ذلك الانخفاض في المستوى.

- قوة كوريوليس: هيقوة ظاهرة على الجزيئات المتحركة تنجم عن دوران الأرض، وهي تسبب تحريك الأجسام أو إزاحتها وجعلها تميل نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي ونحو اليسار في نصف الكرة الجنوبي. وهذه القوة على علاقة نسبية مع سرعة الجسم المتحرك وخط العرض الذي يقع عليه، وهي تساوي الصفر في منطقة الاستواء وأعظمية في القطب.

 تتحرك المياه في الطبقات المتتابعة نتيجة قوة كوريوليس بازدياد نحو اليمين (أو اليسار) -بحسب نصفي الكرة الأرضية- حتى عمق معيّن حيث يتعاكس اتجاه الحركة مع اتجاه الرياح (الشكل 1). خلال ذلك تتناقص السرعة مع العمق من الأعلى نحو الأسفل أو نحو قاعدة الحلزون الذي يسمى " حلزون إيكمان"نسبة إلى مكتشفه. ونتيجة لهذا الحلزون سيدور تيار النقل الصافي للمياه -وذلك بسماكة تصل إلى مئات الأمتار- بمقدار 90° نحو اليمين في نصف الكرة الشمالي و90° نحو اليسار في نصف الكرة الجنوبي بالنسبة إلى اتجاه الرياح.

من النتائج العملية والمهمة جداً لنقل إيكمان هو الحركة الشاقولية للمياه (صعود المياه). من المهم معرفة أن الماء الصاعد يأتي من المياه تحت السطحية (عادة من طبقة التيرموكلين الدائمة: منطقة التغير الحراري المفاجئ والتي تقع على عمق نحو 300 م)، وأن عملية صعود المياه هي واحدة من الطرائق القليلة التي يجري بوساطتها تبادل المياه بين السطح والعمق.

مؤشر شدة التيارات المائية الصاعدة (الانبثاق)

حدد بوكان Bukan (1973) مؤشر شدة الانبثاق: حيث يقدّر نقل إيكمان بدءاً من رياح جيوستروفيةgeostrophic winds ، وذلك بقياس الضغط الجويالذي يتساوى مع قياس شدة الانبثاق. يستخدم مؤشر شدة الانبثاق لتقدير معدل تدفق مياه البحر لكل كيلومتر من صعود الماء نحو الشاطئ (نقل إيكمان)، ويعبّر عنه بالعلاقة (1):

Cd :حيث : معامل تجريبي يساوي1.4×3-10 ،pa: كثافة الهواء وتساوي 1.2 كغ/ م3؛ V: سرعة الرياح (متر في الثانية)؛ : Vnالمكون الشمالي للرياح؛pw : كثافة ماء البحر = 1026 كغ/م3؛ وعامل كوريوليس: f= 2 w sin L ، حيث w: السرعة الزاوية لدوران الأرض، L: خط العرض الذي تقع عليه المحطة المدروسة، ويساوي 9.98×-105 /ثانية على خط العرض 43.2. تدل القيم الموجبة لمؤشر شدة الانبثاق على تيار صاعد upwelling (انبثاق)، أما القيم السالبة للمؤشر؛ فتدل على تيار هابط downwelling. ويظهر الشكل (2) الانحرافات السنوية لمؤشر التيارات الصاعدة الساحلية من أيار/مايو إلى أيلول/سبتمبر 1946 - حتى الآن. تشير الانحرافات الموجبة القوية إلى السنوات التي شهدت ارتفاعاً في منسوب المياه الصاعدة فوق المتوسط ​​(الخطوط الزرقاء)، في حين تشير الانحرافات السالبة إلى السنوات التي كانت فيها المياه الصاعدة أقل من المتوسط ​​(الخطوط الحمراء).

الشكل (2) مؤشر صعود المياه خلال الصيف بين 1946-2025.

أنماط التيارات المائية الصاعدة

 هناك على الأقل خمسة أنماط من التيارات المائية الصاعدة، من أهمها:

أ‌-  التيارات المائية الصاعدة الشاطئية: تُعدّ التيارات المائية الصاعدة الساحلية من أكثر أنماط الانبثاق معرفةً وارتباطاً بالأنشطة البشرية لكونها تشكل موطناً لأكثر المصايد البحرية إنتاجيةً في العالم. وهناك طريقتان لحدوث صعود الماء في المنطقة الشاطئية:

     1-  إذا هبت رياح من الشاطئ نحو البحر (أي عمودية على الشاطئ)؛ فإنها تجر معها الطبقة السطحية للمياه من الشاطئ نحو عرض البحر (الشكل 3).

الشكل (3) صعود المياه الشاطئية بتأثير رياح عمودية على الشاطئ.

 

2- إذا هبت الرياح موازية لطول الشاطئ بحيث يكون الشاطئ على يسارها في نصف الكرة الأرضية الشمالي وعلى يمينها في نصف الكرة الجنوبي؛ فإن قوة كوريوليس تحرك التيارات الناشئة بسب الرياح نحو عرض البحر (الشكل 4 - أ).   

في كلتا الحالتين: تتحرك الطبقة السطحية للمياه الشاطئية نحو العرض؛ ومن ثمَ فإن الفراغ المتكون سيعوَّض بالمياه العميقة التي تقع على عمق مئات الأمتار.

عندما يجري نقل إيكمان بعيداً عن الشاطئ؛ تُستبدَل المياه السطحية بعيداً عن المياه العميقة؛ المكوِّن الأكثر برودة والأكثر كثافة، وذلك بمعدل 5-10 م ارتفاعاً يومياً، ولكن يمكن أن يتغيّر معدل القرب من القاع إلى الشاطئ مع قوة الرياح ومسافتها.

عندما تهب الرياح من الجنوب بالتوازي مع هذا الخط الساحلي نفسه في نصف الكرة الشمالي (الشكل 4 - ب) يتحرك نقل إيكمان نحو الشاطئ، وينجم عنه هبوط المياه downwelling.

الشكل (4) نقل إيكمان: أ- صعود المياه في حالة رياح موازية للشاطئ. ب – هبوط المياه.

 

ب‌- التيارات المائية الصاعدة الاستوائية: تتلاقى الرياح التجارية الاستوائية الشمالية الشرقية والرياح التجارية الاستوائية الجنوبية الشرقية في زاوية نحو خط الاستواء (في منطقة التقارب الاستوائي Intertropical Convergence Zone (ITCZ) التي تمتد على خط الاستواء). يؤدي نقل إيكمان الذي تسببه هذه الرياح المتقاربة إلى تباعد أفقي للمياه السطحية (إلى عمق يزيد على 100 متر) وانحرافها نحو القطبين بسبب قوة كوريوليس باتجاه الشمال الغربي والجنوب الغربي بعيداً عن خط الاستواء. هذا التباعد في المياه على السطح يؤدي إلى صعود المياه من عمق يزيد على 100 متر؛ ليحل محل تلك المياه السطحية.

يُذكَر أن منطقة التقارب الاستوائي (ITCZ) تهاجر هجرة نصف سنويّة (مرتين سنوياً) شمالاً وجنوباً، وبسبب وجود كتلة يابسة كبيرة شمال خط الاستواء في المحيط الأطلسي؛ فإن "خط الاستواء الحراري" (يسميه بعض الباحثين بخط الاستواء الإرصادي) يتمحور حول الدرجة 5 عرض شمالاً. ويُلاحظ أن الرياح التجارية الجنوبية الشرقية ستؤدي إلى نشوء نقل إيكمان بعيداً عن خط الاستواء الجغرافي شمال خط الاستواء وضمان حصول تيار مائي صاعد.

ج - صعود الماء من خلال ضخ إيكمان: عندما يمر إعصار استوائي على منطقة بسرعة أقل من 8 كم/ساعة تؤدي حركة المياه السطحية الناجمة عن الرياح القوية للعاصفة إلى حدوث حركة لمياه الأعماق؛ لتحل محلها. كذلك -في وسط المحيط- عندما تدفع رياح قوية وثابتة الطبقة السطحية في اتجاه ما؛ فإن مياه الأعماق تأتي لتحل محلها. يحدث هذا خصوصاً في المحيط قبالة القارة القطبية الجنوبية حيث تكون حركة المياه من الغرب إلى مسافات طويلة من دون تدخّل المناطق الساحلية بسبب غياب اليابسة.

د‌-  التيارات المائية الصاعدة الناجمة عن العوائق تحت البحرية: تتسبب بعض الحواجز أو العوائق تحت البحرية في نشوء تيارات صاعدة. إحدى هذه الحالات ما حدث في مصب نهر سانت جون Saint John (كندا)، حيث حُفِر هذا النهر في الأنهار الجليدية،  وتشمل منطقة مصبه في نهر سانت لورانس Saint Laurence المالحة منحدراً ركامياً يفرض على المياه العميقة ذات الأصول القطبية الشمالية الصعودَ نحو الأعلى. وقد تحدث تيارات مائية صاعدة مؤقتة ومحليةعندما تسبب الجزر والتلال والجبال البحرية انحرافاً في التيارات العميقة مؤدية إلى ظهور منطقة غنية بالمغذيات ضمن منطقة واسعة من المحيطات المنخفضة الإنتاجية، ومن الأمثلة على ذلك التيارات الصاعدة حول جزر غالاباغوس وجزر سيشيل حيث تقع أهم مصائد الأسماك البحرية.

ه - التيارات المائية الصاعدة في المحيط الجنوبي: تكون على نطاق واسع في المحيط الجنوبي؛ حيث تهب رياح قوية غربية (شرقاً) حول القارة القطبية الجنوبية؛ مما يؤدي إلى تدفق كبير للمياه شمالاً، وهذا في الواقع هو نوع من التيارات المائية الصاعدة الشاطئية؛ ولما كان في نطاق خطوط العرض المفتوحة بين أمريكا الجنوبية وغرب شبه القارة القطبية الجنوبية خالياً من القارات؛ فإن بعض هذه المياه تصعد من أعماق كبيرة. في كثير من النماذج العددية والتركيبات الرصدية، تمثل تيارات المياه الصاعدة في المحيط الجنوبي الوسيلة الرئيسية التي تُنقل بوساطتها المياه الكثيفة العميقة إلى السطح.

تنتج تيارات مائية صاعدة اصطناعية من الأجهزة التي تستخدم طاقة أمواج المحيطات أو الطاقة الحرارية للمحيطات في ضخ المياه إلى السطح، ويمكن أن تسهم توربينات الرياح في إنتاج تيارات مياه صاعدة.

أماكن التيارات المائية الصاعدة

ثمّة 5 مناطق لتلك التيارات في العالم، تشمل 3% فقط من مساحة المحيطات؛ ولكنها تشكل موطناً لـ 40% من الصيد البحري، وتنتشر جميعها في الجهة الشرقية للمحيطات، وترتبط جميعها بحركات محيطية شبه استوائية ذات ضغط مرتفع (الشكل 5):

الشكل (5) أهم مناطق حركات دوران المحيط، حيث تتركز التيارات الباردة في الجهة الشرقية للمحيطات: اللون الأزرق.

 

 

أ‌-     تيار بنغويلا Benguela Current: يحدث في نصف الكرة الأرضية الجنوبي (شواطئ جنوب أنغولا وناميبيا وإفريقيا الجنوبية)، وهو يمثل الحافة الشرقية لدوران مياه المحيط (gyre) في المنطقة شبه الاستوائية جنوب الأطلسي، التي يمكن أن تقسم نظامين فرعيين شماليّاً وجنوبيّاً مع حدوث صعود مياه في الفرعين. ينفصل الفرعان من خلال منطقة صعود مياه دائمة في عرض منطقة لودريتز Luderitz، التي تُعدّ أقوى منطقة انبثاق في العالم.

ب‌-تيار الكناري Canary Current: هو تيار مائي محيطي شمالي بارد، يسير بمحاذاة الساحل الغربي لشبه جزيرة إيبيريا، وساحل شمال غربيّ إفريقيا، وهو الفرع الجنوبي لتيار الأطلسي الشمالي، وهو منقسم أيضاً بسبب وجود جزر الكناري. يُعدّ من أهم مصادر الثروة السمكية لغناه بالعوالق البحرية، وله تأثير مناخي مهمّ، فهو يمنع تشكل الأمطار؛ مما يسبب تصحر السواحل الأطلسية، ويخفض درجة حرارة السواحل.

ج‌-  تيار هُمبولت Current Humboldt أو تيار البيرو: هو تيار مائي محيطي بارد, جنوبي, يسير بمحاذاة الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية, وهو جزء من تيار الانجراف الغربي الذي يتدفق في نطاق هبوب الرياح الغربية في نصف الكرة الجنوبي. يستمر تيار هُمبولت بمحاذاة ساحل الشيلي الغربي والبيرو حتى جنوب خط الاستواء بنحو 8 درجات عرضية حيث ينضم إلى التيار الاستوائي الجنوبي، ويمتد حتى 1000 كم من الشاطئ.

د‌-    تيار كاليفورنياCalifornia Current : يقع في نصف الكرة الأرضية الشمالي (الولايات المتحدة وشماليّ المكسيك)، وهو يمثل الحافة الشرقية لدوران المياه في شماليّ المحيط الهادئ، ويتميّز أيضاً بانقسام شمالي جنوبي، ويحدث هذا الانقسام في منطقة  Point Conception في كاليفورنيا نتيجة وجود تيارات مياه صاعدة ضعيفة في الجنوب وقوية في الشمال.

هـ- التيار الصومالي Somali Current: هو تيار محيطي يمتد على طول ساحل الصومال وعمان في غرب المحيط الهندي، وهو مماثل لتيار الخليج في المحيط الأطلسي؛ يتأثر بشدة بالرياح الموسمية، وهو يمثل منطقة صعود المياه الوحيدة على الجهة الغربية للمحيطات. تختلط المياه الصاعدة من هذا التيار بنظام آخر لصعود المياه في المنطقة؛ ممّا يؤدي إلى نشوء أحد النظم البيئية الأكثر إنتاجية في المحيط.

   يمكن تحديد أماكن التيارات المائية الصاعدة من آثارها ونتائجها: بحر بارد وغني بالعوالق النباتية. يمكن الحصول على هذه المعطيات بوساطة صور الأقمار الاصطناعية مثل Spot، أو بوساطة القياس الحقلي المباشر (الشكل 6).

الشكل (6) تركيز الكلوروفيل في التيار الصاعد الاستوائي في المحيط الهادي.

 

إنتاجية مناطق التيارات المائية الصاعدة

 للتيارات الصاعدة أهمية كبيرة في الإنتاج الحيوي البحري في المناطق الحارة، حيث تمنع طبقة الترموكلين الدائمة العميقة نسبياً (أكثر من 100م) اختلاط المياه العميقة الباردة والغنية بالأملاح المغذية بالمياه السطحية الفقيرة بتلك الأملاح. ترافق ظاهرة صعود الماء العميقة والباردة في المنطقة الشاطئية حملاً للعناصر المغذية (النترات NO3 والآرتوفسفات PO4 والفسفات وحمض السيليسيك) من الأعماق نحو المنطقة المضاءة. يحرّض توفر هذه المغذيات على تطوير السلسلة الغذائية، ابتداءً من ازدهار كبير للعوالق النباتية التي تستفيد من تلك المغذيات في نموها بوساطة عملية التركيب الضوئي ومن ثمّ إنتاج المادة العضوية؛ وتُظهر صور الأقمار الصناعية (الشكل 6) ذلك النمو بوضوح من لون البحر الذي يبدو أخضر نتيجة وجود الكلوروفيل بكميات كبيرة جداً، وقد تعطي الصور تقديرات عن التراكيز التي يمكن أن تصل إلى 3.5 ملغ كلوروفيل واحد/م3. وهذا يدل على غنى بالعوالق النباتية حيث الإنتاج الأولي هو الأعلى، ويصل إلى 2 غ كربون /م2/يوم (Morel, 2000)، ويشكل الإنتاج الأولي في مناطق الانبثاق نحو 50% من الإنتاج البحري العالمي.

يستخدم الإنتاج الأولي للتعبير عن الإنتاج البحري عموماً، وذلك لأن إنتاج العوالق النباتية يُعدّ الأساس للسلاسل الغذائية البحرية. وتكون كتلالمياه الباردة الغنية بالمواد المغذية والعوالق النباتية -في بعض الأحيان- على شكل خيوط طويلة ومتعرجة تنتقل نحو عرض البحر. ويجري بوساطة هذا النقل –وبوساطة نمو العوالق النباتية والعوالق الحيوانية والمستويات الغذائية العليا- حمل المواد العضوية على شكل مخلفات (كتل برازية وكائنات ميتة وثلج بحري) نحو الجزء السفلي من العمود المائي.

تخضع المواد العضوية في أثناء سقوطها لعملية تمعدن، ذات تأثير في تجديد مخزون العناصر المغذية. تختلف نسبة إعادة تدوير العناصر في مناطق الانبثاق بين 50 و80%؛ ومن ثَم يمكن عدّ تلك المناطق خلايا إعادة تدوير؛ وهذا يعني وجود إنتاج عضوي مرتفع ناجم عن طريق إعادة تدوير. ويصل قسم من مخلفات المادة العضوية المنتجة في المنطقة السطحية إلى القاع حيث يترسب، ويتحجّر مشكلاً مستحاثات.

يسمح صعود الماء الغني بالأملاح المغذية بانطلاق الإنتاج الأولي البحري الذي سيؤدي إلى توفّر مخزون سمكي هائل بسبب قصر السلسلة الغذائية، الناجم عن كبر حجم العوالق النباتية في هذه المناطق؛ ومن ثَم إمكان تغذي بعض أنواع الأسماك عليها مباشرة كالسردين بوساطة التغذية بالترشيح. ومن المعروف أنه كلما قلّ عدد المستويات الغذائية زادت فعالية انتقال الطاقة؛ ومن ثَم ازداد الإنتاج (حيث يُفقد 90% من الطاقة بالانتقال من مستوى غذائي إلى مستوى أعلى منه). يقتصر عدد المستويات الغذائية في مناطق الانبثاق على 2-3 مستويات فقط.

تُعدّ مناطق التيارات الصاعدة عامل جذب لأعداد كبيرة من سفن الصيد العالمي، كما هي الحال في السواحل المغربية والموريتانية حيث تجوب فيها أساطيل صيد لأكثر من 50 دولة.  وإضافة إلى ذلك تُعدّ مناطق تغذٍّ للمستهلكات الكبرى مثل الحيتان والأسماك المفترسة الكبيرة مثل القروش والتونة. وثمة فائدة أخرى للتيارات الصاعدة تتمثّل بكونها مصدراً دائماً للغذاء والدخل لكثير من الناس والدول.

العلاقة بين التيارات المائية الصاعدة والمناخ

 للتغيرات المناخية تأثير في كثافة التيارات المائية الصاعدة وشدّتها وموضعها الجغرافي.

هذا ويحصل تعارض كبير بين التيارات المائية الصاعدة وظاهرة إلنينو El nino، حيث إنه عندما تخف شدة الرياح المسؤولة عن صعود المياه العميقة؛ فإن حركة صعود الماء تتناقص أو تتوقف، كما هي الحالة على طول الشواطئ البيروفية (البيرو)، حيث تحدث ظاهرة إلنينو؛ والتي تؤدي إلى تناقص كثافة العوالق النباتية والأسماك تناقصاً كبيراً، وينجم عنه إرباك كبير في قطاع الصيد البحري، وفي الوقت ذاته تتلقى الصحراء الشاطئية كميات من الأمطار.  

تساهم التيارات المائية الصاعدة في تجفيف اليابسة، ويمكن أن تتشكل صحاري شاطئية على طول الشواطئ التي تحدث فيها تلك التيارات، حيث إن صعود المياه العميقة الباردة يتسبب في نشوء هواء نقي ومستقر وجاف، وخاصة على طول الشاطئ؛ مما يؤدي إلى تكوّن بعض الصحاري الجافة جداً في العالم، كما هي الحال في الشواطئ الغربية لإفريقيا وأمريكا.

لحركة المحيطات تأثير في الحالة العامة وتغيّرات النظام المناخي العالمي. فظاهرة التيارات المائية الصاعدة الاستوائية الباردة والغنية بالكربون والأملاح الغذائية وانحرافها نحو القطبين، تحافظ -في الوقت نفسه- على مياه باردة على طول خط الاستواء؛ وعلى تبادل غازي واسع من الكربون الطبيعي والأكسجين الناجم عن الإنتاج الحيوي الكثيف؛ وكذلك على امتصاص قوي للحرارة. يؤدي نقل الحرارة الاستوائية نحو القطبين - وفقدانها نتيجة تبادلها مع الغلاف الجوي - إلى تعديل مناخ مناطق خطوط العرض المتوسطة والعالية (مثل أوربا الشمالية الغربية). وإضافة إلى ذلك تؤدّي الاختلافات في شدة ظاهرة المياه الصاعدة الاستوائية والتيارات البحرية دوراً محورياً في ظاهرتي إلنينو والنينيا. بسبب ذلك كله تؤثر حركة المحيطات في المناخ العالمي وتغيراته السنوية والعقدية، وتنظم حدة التغير المناخي وشدّته.

تهديدات الأنظمة البيئية في مناطق التيارات الصاعدة

يتمثل الخطر الأكبر على المستوى الغذائي المتوسط وعلى مستوى النظام البيئي العام في منطقة التيارات المائية الصاعدة بمشكلة الصيد التجاري؛ لأن عواقب الإفراط في صيد الأسماك لن يكون ضاراً بتلك الأسماك فقط، بل يتعداه إلى النظام البيئي كلّه في المنطقة، حيث يؤدّي كل من الأنواع الموجودة دوراً حيوياً في هذا النظام البيئي؛ ومن ثَم فإن نضوب أحد الأنواع إلى حد بعيد سوف يؤثر فيما تبقى من المستويات الغذائية. وهكذا فإن احتمال انهيار النظام البيئي هو التهديد الأهم الناتج من مصائد الأسماك في مناطق الانبثاق، كما أن نقص الغذاء يؤدي إلى نقص الفعالية التكاثرية ومن ثمّ تناقص في الجماعة واختفاء الأنواع في المستويات الغذائية العليا، وهذا يؤدي أيضاّ إلى نقص في عدد الأنواع في التنوع الوراثي.

التهديد الآخر لإنتاج منطقة صعود المياه ونظامها البيئي هو نظام التذبذب الجنوبي El.Niño-Southern Oscillation  (ENSO)، وتحديداً ظاهرة إلنينو، حيث تدفع الرياح دفعاً غير مباشر المياه الدافئة نحو ساحل أمريكا الجنوبية، وتحدّ من التيارات الصاعدة الباردة في المناطق الاستوائية؛ ومن ثَم انخفاض إنتاجيتها انخفاضاً كبيراً نتيجة لانعدام الأملاح المغذية التي تحملها التيارات الصاعدة.

مراجع للاستزادة

- W. E. Fischer, A. B. Green, Upwelling: Mechanisms, Ecological Effects and Threats to Biodiversity (Oceanography and Ocean Engineering), Nova Science Pub Inc 2014.

-   J.  Kämpf, P. Chapman,.  Upwelling Systems of the World. A Scientific Journey to the Most Productive Marine Ecosystems. Springer International Publishing. 433 p. 2016.

-   Y. Kosaka, S.P. Xie, The Tropical Pacific As a Key Pacemaker of the Variable Rates of Global Warming. Nature Geosci 2016.

 


- التصنيف : علوم البيئة والتنوع الحيوي - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1