ثور المسك
ثور مسك
-
حسن حلمي خاروف
ثور المسك Musk-ox الاسم الشائع لحيوان اسمه العلمي Ovibosmoschatus قطبي الموطن، وهو النوع الوحيد الذي ينتمي إلى جنس Ovibos. وينتمي إلى صف الثدييات Mammalia صُفَيف الحافريات Ungulata، من فصيلة البقريات Bovidae رتبة مزدوجات الأصابع Artiodactyla إصبعيات المشية Digitigrada. وينتمي إلى تحت فصيلة المعزيات Caprinae؛ فهو أقرب إلى الماعز والغنم مع أن اسمه العلمي Ovibos المشتق من اللاتينية ovis بمعنى الخروف ومن الإنكليزية القديمة ox بمعنى الماشية من البقر والثيران. اشتُقَّ الاسم الشائع لهذا الحيوان "ثور المسك" من رائحة المسك الشديدة التي يُطلِقها الذَّكَر من غدد القلفة preputial gland عنده في مرحلة الشبق التي تنطلق لجذب الأنثى في أثناء فصل التكاثر.
يعيش ثور المسك في المناطق القطبية من ألاسكا وأوربا، وأُدخِلَ إلى السويد والنروِج وسيبيريا؛ ولكن بكميات قليلة، وينتشر بكثرة في مناطق التوندرا شمالي ألاسكا وغربيّها والمناطق القطبية من كندا وفي غرينلاند، ووصل انتشاره إلى جنوبي أمريكا حتى المكسيك.
وعُرِفَ منه نُوَيعَان subspecies؛ هما ثور مسك غرينلاند Greenland musk ox واسمه العلمي Ovibos moschatus wardi؛ ويُعرَف أيضاً باسم ثور المسك أبيض الوجه white-faced musk ox، وينتشر في غرينلاند والمناطق القطبية، والنويع الآخر ثور مسك الأراضي الجرداء barren ground musk oxواسمه العلميOvibos moschatus moschatusالذي يكون في أراضي كندا الرئيسية.
هو حيوان قوي ممتلئ البدن، يبلغ طوله نحو 1.2 م، عالي الكتفين قد يصل ارتفاعهما إلى 1.1 –1.5م، ووزنه نحو 320 كغ، علماً أن العَيِّنات التي تعيش في حدائق الحيوان قد يصل وزنها إلى 650 كغ. ويغطي جلده شعرٌ مزيج من اللون الأسود والرمادي والبني الطويل الكثيف الذي يحميه من برودة الجو حيث يعيش. بعض أفراده طويل الشعر لدرجة قد يصل إلى الأرض؛ لكن شَعره الداخلي ناعم جداً، تُصنَع منه الأنواع الفاخرة من الفراء. ويُعرَف أيضاً باسم "ذو الذقن" the bearded one بِلُغَةالإنكتيتوت Inuktitut، وهي لغة مناطق الأسكيمو الكندية؛ لطول شعره نسبياً في منطقة الذقن منه. قرون الذكر والأنثى طويلة ومنحنية، وذيله قصير طوله نحو 10سم فقط، غالباً ما يختفي تحت طبقة الفرو التي تغطي نهاية الحيوان. وقد تصل سرعته عند الركض إلى 60 كم/ساعة. يعيش من 12- 20 سنة (الشكل 1).
![]() |
|
الشكل (1) ثور المسك. |
يعيش ثور المسك في قطعان يراوح عدد أفراد كل منها بين 12- 24 في الشتاء و8-20 فرداً في الصيف. وأعداؤه التقليديون الذئاب والدبب القطبية، ويدافع القطيع عن نفسه بتشكيل دائرة يُحفَظ الصغار في مركزها. ولا تتمسك ثيران المسك بمنطقة معيّنة؛ لتعيش فيها لكنها تُحَدِّدُ مناطق وجودها بإفرازات خاصة تطلقها غددها الحِجاجية preorbital glands. وعموماً تنحصر المواجهات بين أفراد المنطقة الواحدة بين الذكور فقط، ويحدث في أثناء الصراع أن يتقابل خصمان، ويندفع كل ثور تجاه الآخر بسرعة تصل إلى 40 كيلو متراً في الساعة حيث تصطدم قرونهما ببعض، ويحدث ذلك نحو 20 مرّة خلال زمن لا يتعدى 50 دقيقة، ويصدر خلالها كل ثور صوتاً يشبه زئير الأسد.
ويتغذى الحيوان بالأعشاب والصفصاف والنباتات الخشبية والحزازيات (الأشنات) lichens والطحالب mosses. وهو يُفَضِّل الأعشاب الغنية بالعصير. وفي فم الواحد منها 32 سناً، وصيغته السنية هي ق 0/10، أ 0/1، ض 3/3، ط 3/3. وهي تُصاد من أجل لحمها وفرائها وجلدها.
وتتميز ذكور ثور المسك برائحةِ موادَّ قوية الرائحة تُنتِجُها غدد القلفة preputial glans، تنتشر على فرو جميع أنحاء جسمه خصوصاً منطقة البطن. وقد عُرِفَ بتحليل غُسالة القلفة عند الذكر أنها تحتوي على الكولِستِرول وبِنز ألدِهيد benzaldehyde بارا الكريزول cresolp- مع مجموعة من مركّبات الفحوم الهدروجينية المشبعة المستقيمة السلسلة straight-chain saturated hydrocarbons ابتداءمن C22H46 حتى C32H66 مع وجود كميات كبيرة من الـ C24H50.
ويسيطر الذكر عادة على مجموعة إناث، ويبدأ موسم التكاثر في آب/أغسطس حتى تشرين الأول/أكتوبر؛ إذ يُبدي الذكر فَوقِيَّةً على الذكور الأخرى، وينظم ما يشبه الحريم المؤلف من 5- 6 إناث مع ذريتها بحيث يمكن أن يصل عدد المجموعة إلى نحو 15 فرداً. وتستمر فترة الحمل عند الأنثى 8 – 9 أشهر، وتلِدُ فيما بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو عجلاً واحداً يزن عادة بين 10- 14 كغ، ينمو بسرعة ليصل وزن الواحد منها خلال سنة واحدة إلى 68–106 كغ. وتجدر الإشارة إلى أن الأنثى لا تحمل كل سنة؛ إذ عندما يكون الشتاء قارساً لا يكون عندها دورة طمثية، وهكذا فإنها لا تحمل في السنة التالية؛ الأمر الذي يفسر ظاهرةَ تراجعِ أعداد ثور المسك في الطبيعة مع الزمن؛ إضافة إلى صيده الجائر من أجل لحمه وفرائه وجلده؛ الأمر الذي دعا السلطات الكندية أن تعدّه من الحيوانات المحمية، ومنذ عام 1917 وضعت القوانين لحماية ثيران المسك من الصيد وإكثارها في ألاسكا وبعض المناطق الأخرى. والواقع أن آخر الإحصائيات التي جرت مطلع عام 2026 قَدَّرَت أن أعداد ثيران المسك في العالَم يراوح بين 80000 و125000 رأس؛ تتواجد أعداد منها في جزيرة بانكس Banks Island. وحُدِّدَ في غـرينلاند Greenland وجود معظم أفراد هذا الحيوان في الحدائق الوطنية national parks، المحمية من الصيد في شمال شرقي غـرينلاند؛ حيث المناطق التي تقطنها جماعات السكان الأصليين في تلك الجزيرة.
ويُعَدّ ثور المسك أقرب إلى الأغنام والماعز منه إلى الثيران، والواقع أن ثيران المسك الحديثة هي آخر سلالة لما يُسمَّى الثيران الغنمية ovibonines التي ظهرت في المناطق المعتدلة من آسيا، وتأقلمت مع بيئات التوندرا. وكانت قرون أسلافه مرتفعة تشبه قرون الأغنام، أي فوق سوية عظام الجبهة، وليس تحتها كما في ثيران المسك الحديثة، وغادرت الغابات المعتدلة، واتجهت نحو الأراضي العشبية grasslands في أواسط آسيا في أثناء البليوسين Pliocene، وانتشرت في سيبيريا وباقي شمال أوراسيا. وبعد ذلك انتشرت موجات من حافريات آسيا التي ضمت ثيران مسك مرتفعة القرون، وهاجرت لتصل أوربا وشماليّ أمريكا في النصف الأول من البليوسين. وأول ما عُرِفَ من ثيران المسك هو ثور الشجيرات من جنس أوسِراثِريوم Euceratherium (الشكل 2)الذي وصل إلى شماليّ أمريكا عبر مضيق بهرنغ منذ مليوني سنة، وانتشر من هناك في الجنوب الغربي لأمريكا والمكسيك. وكان هذا الثور أكبر من الثور الحديث وأكثر امتلاء، يشبه تقريباً خروفاً عملاقاً بقرنين ضخمين، وكان يفضل المناطق العشبية.
![]() |
| الشكل (2) هيكل ثور الشجيرات Euceratherium. |
ويُصَنَّف ثور المسك الآن في مجموعة المعزيات Caprinae؛ لكن هناك مجموعة أخرى هي التاكين takin التي تماثل أفرادُها ثيران المسك من حيث الحجم تقريباً؛ ولكنها تفتقر إلى صفة رئيسية تميز ثيران المسك هي شكل القرون؛ إضافة إلى أن التحليل الوراثي لها وللمعزيات يُبيِّن انفصالهما تطورياً عن بعضهما في وقت مبكر، في حين يبدو أن أقرب الأحياء إليها ربما هو الغورال goral من الجنس Naemorhedus المنتشر حالياً في كثير من بلدان وسط آسيا وشرقيها وأواسط أوربا.وهكذا فإن التشابه الغريب بين التاكينات وثيران المسك يمكن أن يُعَدّ مثالاً لما يُعرَف الآن بالتطور المتقارب convergentevolution.
الجنس Soergelia من هذه الثيران ذو قرون وسطى عاش في بدايات البليستوسين Pleistocene في أوراسيا؛ من إسبانيا حتى سيبيريا، ثم عبر إلى أمريكا الشمالية مباشرة منذ 1.8 مليون سنة بعد الأوسِراثِريوم Eutheracerium؛ ولكنه بخلاف الأوثِراسِريوم الذي استمر في أمريكا حتى انقرض في الـﭙليستوسِن والهولوسِن، وَحَلَّت محله حافريات متقدمة مثل ثور المسك الضخم Praeovibos (معناه ما قبل الثور beforeOvibos)، الذي كان ذا قرن منخفض، سكن ألاسكا ومنطقة يوكون Yukon في كندا؛ ولكنه اختفى منذ نصف مليون سنة.
كان الثور Praeovibos موجوداً في أوربا ومنطقة البحر المتوسطمنذ 1.5 مليون سنة، واستوطن ألاسكا Alaska ويوكون Yukon؛ لكنه اختفى منذ مليون سنة. وكان هذا الجنس قابلاً للتكيف مع البيئة جداً لدرجة أنه وُجِدَ بآن واحد مع الـرَّنَّة reindeer في التوندرا الباردة ومع الغزال الأحمر red deer الموجود في الغابات المعتدلة. وفي أثناء فترة التجمد المندلي Mindel glaciation قبل 500000 سنة كان هذا الجنس موجوداً في منطقة نهر كوليما Kolyma river في المناطق الشرقية من سيبيريا مرافقاً لكثير من وحيش fauna العصر الجليدي الذي رافق أيضاً جنس Ovibosفي كوليما نفسها وبعض المناطق الأخرى، ومن ذلك الأحصنة الوحشية wild horses والرنة والماموث الصوفي woolly mammoth والظبي الأمريكي (الموظ) stag-moose. مع ذلك شُكِّكَ بما اعتُقِدَ أن يكون هذا الثور Praeovibos السلف المباشَر لـ Ovibos، أو أن كلا الجنسين قد انحدرا من سلف واحد؛ لأن الجنسين كانا قد وُجدا معاً خلال البليستوسين الأوسط iddle PleistoceneM. وقد اقترح المدافعون عن سلفية الـPraeovibos أن هذا الأخير قد تطور وشكل الـ Ovibos في منطقة واحدة في فترة انعزال، ثم انتشر ليحل محل الجماعات المتبقية من Praeovibos.
وفي أمريكا سُمِّي الجنسان الشبيهان جداً بما قبل الأوفيبوس Praeovibos في القرن التاسع عشر باسم Bootherium و Symbos؛ لكن عُرِف الآن أنهما الشكلان الجنسيان للذكر والأنثى لثور مسك الغابات woodland musk-oxمن النوع البوثريوم Bootherium bombifrons (الشكل 3). وقد انتشر الجنس Bootherium في مناطق الغابات من أمريكا الشمالية في أواخر البليستوسين، من ألاسكا حتى تكساس وربما حتى المكسيك، كما انتشر بكثرة في جنوبيّ الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن حل محله الجنس Ovibos في مسطحات التوندرا tundra-steppe في الشمال مباشرة جنوبي الصفيحة اللورنتية الجليدية Laurentide ice sheet.
![]() |
| الشكل (3) جمجمة البوثِريوم. |
أما في ألمانيا فقد ظهر الأوفيبوس الحديث منذ نحو مليون سنة، وانتشر في المنطقة خلال البليستوسين. ثم انتقل إلى الجزر البريطانية. وكانت ألمانيا وبريطانيا جنوب صفيحة بارِنتس-كارا الجليدية Barents-Kara ice sheet تغطيها التوندرا في أثناء الفترات الباردة، لكن لم يُسَجَّل وجود ثور مسك البليستوسين إلا نادراً في مناطق الغابات في الجنوب مثل فرنسا حيث تشارك المنطقة مع حافريات المناطق المعتدلة مثل الغزال الأحمر والأرخص aurochs، وكذلك عُرِفَ أن ثور المسك عاش في بريطانيا في أثناء الفترات الدافئة بين فترة الجليديات interglacial.
وفي بداية البليوسين عاش منه الجنس Soergelia متوسط القرون في أوراسيا؛ بين إسبانيا حتى سيبيريا، وفي بداية البليوسين انتقل إلى أمريكا الشمالية في مرحلة إرﭭينغتون Irvingtonian (مرحلة منذ 1.8 مليون سنة حتى 240000 سنة) إلى شماليّ أمريكا. وبخلاف الـجنس Euceratherium الذي عاش في أمريكا حتى حادثة الانقراض في فترة البليستوسين- الهولوسين Holocene، انقرض الجنس Soergelia، الذي استطاع الحياة في المناطق المنخفضة lowland وَحَلَّ محله حافريات أكثر رقياً؛ ثور مسك أكثر تطوراً هو Praeovibos.
أما النوع الصغير القرون Praeovibos الذي عاشفي أوربا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط منذ 1.5 مليون سنة؛ فقد استوطن ألاسكا واليوكون منذ مليون سنة، واختفى منذ مليون سنة ونصف. كان هذا النوع شديد التكيف، وظهر معه (رنة) توندرا المناطق الباردة cold tundra)reindeer( وكذلك وحيش الغابات المعتدلة temperate woodland (الرنة الأحمر red deer).
|
مراجع للاستزادة: - J. A. Allen,The Musk-oxen Of Arctic America And Greenland,Legare Street Press 2023. - D. Haines, Musk Ox: Amazing Facts about Musk Ox, Independently published 2020. - R. Patrick, Musk Oxen, Gareth Stevens Publishing, 2010.
|
- المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :


