ثمن (كوكبه)
Octans -

الثُمن (كوكبة -)

محمد وليد الجلاد

أهم نجوم كوكبة الثُمن

الإشارات القديمة إلى كوكبة الثمن ونجم القطب الجنوبي

 

كوكبة الثُمن Octans تسمية حديثة نسبياً لكوكبة خافتة الضوء في أقصى نصف الكرة السماوية الجنوبي، اشتق اسمها من  كلمة okto(u)  اليونانية بمعنى ثمانية، ويقصد بها ثُمن الدائرة.

كوكبة الثمن هي واحدة من أربع عشرة كوكبة اكتشفها الفلكي الفرنسي نيكولا لوي دو لاكاي Nicolas Louis de Lacaille في رحلته البحرية إلى رأس الرجاء الصالح Cape of Good Hope، وسماها في بادئ الأمر "ثُمن الانعكاس" "s  "l’Octan de Réflexion، ووصفها في المصوَّر الذي وضعه لنصف الكرة السماوية الجنوبي Coelum Australe Stelliferum، وصدر بعد وفاته في العام 1763. وقد أطلق دو لاكاي على هذه الكوكبة اسم "الثُمن" تيمناً بآلة الثُمن octant الملاحية التي اخترعها عالم الرياضيات البريطاني جون هادلي John Hadley في العام 1730 (الشكل 1)، والمستعملة في رصد النجوم والملاحة الفلكية والبحرية، وهي الآلة السابقة لآلة السدس Sextant (ثمة كوكبة أخرى اسمها السدس Sextans)، وتعتمد الزاوية 45°، أي القوس التي تغطيها آلة الثمن والبالغة 1/8 الدائرة. وقد اشتهرت الكوكبة بعد ذلك باسم "الثُمن الهادلياني" Octans Hadleianus تكريماً لمخترع تلك الآلة.

الشكل (1) آلة الثمن وتطبيقها على كوكبة الثمن.

 

يُرمز إلى كوكبة الثمن اختصاراً بالحروف اللاتينية الثلاثة Oct؛ وفقاً لتصنيف العام 1922 الصادر عن اتحاد الفلكيِّين العالمي the International Astronomical Union. ولم تعرف لهذه الكوكبة أسطورة أو رواية تتعلق بها كما هي حال الكوكبات الأخرى، ولعل ذلك راجع إلى صعوبة تمييزها من الأقدمين بسبب ضوئها الباهت جداً وحداثة اكتشافها النسبية، والسبب الأكثر احتمالاً وقوعها في أقصى درجات العرض الجنوبية؛ فلا تشاهد من نصف الكرة الشمالي المعمور (الشكل 2).

الشكل (2) صورة كوكبة الثُمن.

 

تقع كوكبة الثُمن في الربع الرابع من نصف الكرة السماوية الجنوبي fourth southern quadrant (SQ4) ، ويمكن رؤيتها من خطوط العرض +0° إلى - 90°، ويحدها سبع كوكبات مختلفات (الشكل 3)، معظمها أكثر وضوحاً منها بكثير وهي: طائر الجنة  Apus أو Aps، المائدة (الجبل المائدي) Mensa، الحرباء Chamaeleon، الطاووس Pavo، الهندي Indus، الطوقان Tucana، ثعبان الماء Hydrus. أما الحدود الرسمية للكوكبة من حيث المساحة فمحددة بمضلع ثماني الأضلاع، يغطي 291 درجة مربعة، وتحتل الكوكبة المرتبة الخمسين في قائمة الكوكبات الثماني والثمانين المعروفة إلى اليوم.

الشكل (3) القبة السماوية عند القطب الجنوبي وكوكباتها المحيطة بالثمن.

 

ولأن الكوكبة مجاورة للقطب الجنوبي من القبة السماوية South Celestial Pole فيمكن رؤيتها من جميع أنحاء نصف الكرة الأرضية الجنوبي Southern Hemisphere، وفي أي وقت من السنة؛ ولكن أفضل رؤية لها عندما يكون طالعها (صعودها) مستقيماً Right Ascension، وفي أعلى نقطة من قبة السماء في شهر تشرين الأول/أكتوبر وأوائل تشرين الثاني/نوفمبر، حيث تشاهد النجوم الثلاثة الأكثر لمعاناً في الكوكبة، وهي: نيوNu  وبتا  Beta ودلتا Delta.

أهم نجوم كوكبة الثُمن

نجوم كوكبة الثُمن كثيرة غير أنها خافتة الإضاءة جداً، منها نجمان لكلٍّ منهما كوكبٌ يدور حوله، ولا يعرف فيها جسم من قائمة ميسيه Messier catalogue، ولا تشاهد فيها ظاهرة زخات النيازك. أما أكثر نجوم الكوكبة لمعاناً فهو النجم نيو أوكتانتس OctantisNu، وهو نجم عملاق برتقالي صغير نسبياً، من الصنف (النمط) الطيفي K1 III   spectral class، يبعد عن المنظومة الشمسية نحو 69 سنة ضوئية، وقدره الظاهري 3.76. وهو أقل النجوم العماليق المعروفة لمعاناً (سطوعاً، نصوعاً) brightness؛ فلا يتجاوز 16 ضعفاً من ضوء الشمس، ونصف قطره 5.6 ضعف نصف قطر الشمس، وتعادل كتلته 1.4 كتلة الشمس. وسوف يتمدد هذا النجم في نحو 100 مليون عام فيغدو أكبر بنحو 15 ضعفاً من حجمه الحالي وأشد لمعاناً بنحو 60 ضعفاً من لمعانه الحالي، ويقدر أن يمتد عمره إلى 12.1 مليار سنة. وللنجم نيو رفيق مزدوج قزم من الصنف K7-M1 ، كتلته نصف كتلة الشمس، ويفصل بين النجمين 2.55 وحدة فلكية، ويدور كلٌّ منهما حول الآخر في مدة 2.9 سنة، وللأول منهما كوكب غير مؤكد تعادل كتلته 2.5 كتلة عطارد في مداره.

النجم الثاني من حيث شدة اللمعان هو بتا أوكتانتس Beta Octantis، وهو نجم أبيض في مرحلة تطور وسط بين قزم وعملاق صغير، ومن الصنف  A9IV-V، وقدره الظاهري 4.14، ويبعد عن الشمس نحو 140 سنة ضوئية.

أما النجم دلتا أوكتانتسDelta Octantis  فهو عملاق برتقالي من الصنف K2III، وقدره الظاهري 4.31، ويبعد نحو 279 سنة ضوئية عن المنظومة الشمسية. تبلغ كتلة هذا النجم 1.2 ضعف كتلة الشمس، ونصف قطره 25 ضعف نصف قطر الشمس، ويقدر عمره بعمر الشمس؛ أي نحو 4.3 مليار سنة. ودلتا أوكتانتس هو نجم القطب الجنوبي لكوكب زحل Saturn.

والنجم تيتا أوكتانتس Theta Octantisعملاق برتقالي آخر من الصنف K3III، وقدره الظاهري 4.79 ويبعد 221 سنة ضوئية عن الشمس.

أما النجم ألفا أوكتانتسAlpha Octantis  فهو نجمٌ مزدوج من الصنف الطيفي، مؤلف من عملاقَين من الصنف F، وقدره الظاهري المركب 5.15، ويبعد نحو 148 سنة ضوئية عن المنظومة الشمسية،  ويقع على مسافة ثلاثة أرباع الدرجة عن القطب الجنوبي. ويعتقد أن النجمين في منظومة ألفا هذه من الصنفَين النجميَّين F4III  و  F5III، ويدوران أحدهما حول الآخر في مدة 9073 يوماً، ومجمل لمعانهما يعادل 13.9 ضعف ضوء الشمس. يُصنَّف النجم ألفا أوكتانتس على أنه من نمط المنظومة المزدوجة بتا ليراي (من كوكبة القيثارة) في الخسوف، بحيث تتغير إضاءة النجمين حين يمر أحدهما أمام الآخر دورياً فيحجب ضوءه، فنجما بتا ليراي يدوران في مدارين متقاربين بحيث يحرف أحدهما قوة جذب الآخر، ولكلا المدارين شكلٌ إهليلجيٌّ.

والنجم سيغما أوكتانتس  Sigma Octantis فهو نجم القطب الجنوبي Polaris Australis في الوقت الحاضر، ولا يبعد سوى درجة واحدة عن القطب الجنوبي الحقيقي للكرة السماوية، ويقابل نجم القطب الشمالي من كوكبة الدب الأصغرPolaris in Ursa Minor  الشمالية. لمعانه خافت جداً (أخفت من لمعان نجم القطب الشمالي بخمسة وعشرين ضعفاً) فلا يستفاد منه في أغراض الملاحة. ويتبع الملاحون طرائق أخرى عادة لتحديد موضع القطب السماوي الجنوبي. ومنها مثلاً الاستعانة بكوكبة الصليب الجنوبي Crux (الشكل 4)، برسم خط بين النجم غاما كروسيس Gamma Crucis إلى ألفا كروسيس Alpha Crucis. وثمة طريقة أخرى تتبع لهذه الغاية بالربط بين كلٍّ من النجوم asterismسيغما وتشي Chi وتاو Tau وأبسلون أوكتانتس Upsilon Octantis؛  فيتشكل منها شبه منحرف (الشكل 5).

الشكل (4) كوكبة الصليب الجنوبي.

 

الشكل (5) شبه المنحرف الذي يضم نجم القطب الجنوبي.

 

والنجم سيغما أوكتانتس نجم عملاق من الصنف النجمي F0III، أبيض مائل إلى الصفرة، قدره 5.42، يبعد عن الشمس نحو 270 سنة ضوئية، وكتلته ضعف كتلة الشمس. وهو نجم متغير يتغير لمعانه نتيجة نبضات شعاعية ولا شعاعية radial and non-radial pulsations  صادرة عن سطحه. ويستعان بمثل هذه النجوم وكأنها شموع معيارية لتقدير مسافات الأجسام السماوية العميقة مثل العناقيد النجمية الكروية والمفتوحة ومراكز المجرات. وتغيُّر النجم سيغما من القدر 0.03 يكون كلَّ 2.3 ساعة.

المنظومة النجمية ميو-2 أوكتانتس Mu-2 Octantis نجم مزدوج آخر في كوكبة الثُمن قدرها الظاهري 6.51، وتتألف من نجمين قزمين أصفرين، هما HD196067 و HD 196068، ويبعدان نحو 144 سنة ضوئية عن الأرض؛ في حين يبعد أحدهما عن الآخر 17 ثانية قوسية، وهما مترابطان بالتجاذب. وتشارك هذه المنظومة النجمية بالرمز ميو Muالنجم ميو-1 أوكتانتس Mu-1 Octantis، وتبعد عنه 50 دقيقة قوسية.

في حين أن المنظومة النجمية HD 142022 هي أيضاً منظومة مزدوجة في الكوكبة، قدرها الظاهري 7.69، وتبعد نحو 117 سنة ضوئية عن الشمس؛ النجم الأول منها من الصنف الطيفي G9V وكتلته أقل بنسبة 1% من كتلة الشمس، وهو نجم قديم جداً، وعمره أصغر من عمر الكون كله بنحو 400 مليون سنة، وقد تبيّن في العام 2005 أن له كوكباً يدور حوله.

وأخيراً النجم HD 212301 وهو من الصنف النجمي F8V يُعدُّ نجماً قزماً أبيض – أصفر، قدره الظاهري 7.77، ويبعد عن الشمس 171.93 سنة ضوئية، وله كوكب يدور حوله في مدة 2.24572 يوم.

الإشارات القديمة إلى كوكبة الثمن ونجم القطب الجنوبي

قليلة هي المصادر القديمة التي تشير إلى القطب الجنوبي، ولكن أوفيد Ovid ألمح إلى وجوده في بعض قصائده عن أبولو. ويقول المؤرخ بليني إن الهنود ذكروا اسم "دراماسا" في إشارة إلى القطب الجنوبي (يسمي الهنود القطب الجنوبي "دياماسا" أيضاً). كذلك كان للفلكيين العرب بعض المعرفة عن القطب الجنوبي؛ فقد افترضوا تخميناً وجودَ نظير للقطب الشمالي في الجنوب، وحدد أبو الريحان البيروني موضع قطب جنوبي ودبٍّ آخر يقابل ذلك الذي في الشمال، ويمر عبر جزيرة لونكا Lunka أو فادافاموخا Vadavamukha (جزيرة سيلان).

ومع أنه سبقت الإشارة إلى أنه لم تعرف لكوكبة الثُمن أسطورة أو رواية تتعلق بها كما هي حال الكوكبات الأخرى؛ ولكن تروي أسطورة براهمانية سنسكريتية عن القطب الجنوبي؛ مفادها أن فيسفاميترا (فيشفاميترا) Visvamitra أراد في يوم من أيام الخلق إقامة بيت سماوي في الجنوب لجثمان الملك التقي سوماداتا pious Somadatta.

وتزعم الأساطير المصرية القديمة أن الأوغْدُواد Ogdoad كانوا ثمانية آلهة تُعبد في مدينة هيرموبوليس Hermopolis يمثلها أربعة أزواج - أربعة ذكور وأربع إناث - موجودون قبل أن يُخلق الإله - الشمس the Sun-God، وأن هؤلاء صنعوا من المياه البدائية the primeval watersرابية mound  (مائدة) وشكلوا فوقها بيضةً خرج منها الفتى الإله – الشمس آتوم Atum.

وثمة تعليقات متفرقة متوارثة عن الملاحين الأوربيين الأوائل تتحدث عن صفاء السماء الجنوبية، ومنهم الملاح البريطاني بيتر مارتير من القرن الخامس عشر الذي كتب يقول: "إنهم يعرفون أنه ليس ثمة نجوم هناك كالتي هنا، يمكن مشاهدتها حول تلك النقطة".

والمعروف أن الشمس تشرق مرة واحدة على نجم القطب الجنوبي وتغيب مرة واحدة في السنة، وتبقى ساطعة طوال نصف العام، ثم يعمُّ الظلام في النصف الثاني منه؛ وهذا ما يجعل السنة وكأنها يوم طويل نصفه نهار ونصفه ليل، وتبلغ الشمس أقصى نقطة إلى الجنوب من خط الاستواء السماوي في 22 كانون الأول، وتكون آنئذ في الذروة عند القطب الجنوبي.

مراجع للاستزادة:

- A. Clarke, Discovering Deep Sky Objects: Over 600 Galaxies, Clusters, Nebulae, Variables and Carbon Stars, Independently Published, 2022.

- G. Cornelius, Starlore of the Constellations: The Astronomy, Myth and Symbolism of the Night Sky, Watkins Media, 2024.

- J. Kanipe, Annals of the Deep Sky: A Survey of Galactic and Extragalactic Objects, AAS Sky Publishing, 2024.

- I. Ridpath, Stars and Planets, Dorling Kindersley Limited, 2022.

- S. Webb, A Guide to the Night Sky: The Science and Lore Behind Our Constellations, Smith Street Books, 2025.

 


- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1