الثعلب (كوكبة-)
ثعلب (كوكبه)
Vulpecula -
محمد وليد الجلاد
كوكبة الثعلب Vulpecula كوكبة غير عادية لأنها لا تنتمي أصلاً إلى الكوكبات التي صورها بطلميوس، ولكنها مجموعة نجوم لا تاريخ أو أسطورة سابقة لها، اخترعها الفلكي البولندي جوهانس هفليوس Johannes Hevelius لملء مساحة واسعة من صفحة السماء لا تشغلها كوكبات، وقد صورها على هيئة ثعلب يحمل إوزة بين فكيه، ولم يعدّها كوكبتين منفصلتين في أول الأمر. الكوكبة مُضمَّنة كذلك في مصور (أطلس) فيرمامنتوم سوبيسيانوم Firmamentum Sobiescianum Atlas، وهو مصور من 56 صفحة صنعه هفليوس في القرن السابع عشر، وضمّنه سبع كوكبات جديدة ما برحت معترفاً بها، وهي: الثعلب (الشكل 1) والسلوقيان Canes Venatici والعظاءة Lacertaوالأسد الأصغر Leo Minorوالوشق Lynx والسدس Sextans والدرع Scutum.
![]() |
|
الشكل (1) كوكبة الثعلب.
|
تقع كوكبة الثعلب في نصف الكرة السماوية الشمالي إلى الشمال من كوكبة السهم Sagitta والدلفين Delphinus، وإلى الجنوب من كوكبة الدجاجة Cygnus، في منتصف المسافة بين نجمي النسر الواقع Vega والنسر الطائر Altair، على مساحة 268 درجة مربعة في السماء (25 درجة من الشرق إلى الغرب، و10° من الشمال إلى الجنوب)، وتحتل المرتبة 55 من حيث الحجم بين الكوكبات. تشتمل كوكبة الثعلب على خمسة نجوم رئيسة في مجموعتها، وعلى 33 رمزاً نجمياً من جدول باير- فلامستيد Bayer- Flamsteed ضمن حدودها. ومع أن قدر أكثر نجومها لمعاناً لا يتجاوز قدره الظاهري apparent magnitude 4.44، فإنه يلفت النظر؛ لأنه يشاهد من خلال حقول عدد من النجوم في صفحة درب التبانة.
يحيط بكوكبة الثعلب (الشكل 2) كوكبات الدجاجة والقيثارة والجبار والسهم والدلفين والفرس الأعظم. وأفضل أوقات مشاهدتها حين تبلغ ذروتها في شهر أيلول/سبتمبر.
![]() |
|
الشكل (2) كوكبة الثعلب والكوكبات المحيطة بها. |
تُعدّ كوكبة الثعلب من الكوكبات الحديثة، مع أن صورتها النجمية مرئية تماماً من قبل الإغريق والرومان والعرب. ولكن مبتكرها الفلكي هفليوس هو من أعطاها اسمها اللاتيني Vulpecula cum Ansere، ومعناه الحرفي "الثعلب الصغير والإوزة " the Little Fox and Goose، وصورها على هيئة ثعلب يقبض في فمه على إوزة (الشكل 3). وبمرور الوقت رأى هفليوس أن يفصلها إلى كوكبتين، تمثل إحداهما الثعلب والثانية الإوزة. ولدى إعداد خريطة النجوم واعتمادها من الاتحاد الفلكي الدولي أدمجت الكوكبتان من جديد تحت اسمها الحالي الثعلب Vulpecula؛ غير أن النجم الأول منها ظل يحمل اسم الإوزة.
![]() |
|
الشكل (3) الثعلب وفي فمه الإوزة كما تصوره هفليوس. |
عدّد هفليوس 27 نجماً في الكوكبة، ولكن مصنف أرغلاندر Argelander catalogue(1799 – 1875) تضمن 37 نجماً، في حين تحصي المصنفات الحديثة 62 نجماً، تقترب من خط الزوال في أواخر شهر آب/أغسطس.
- أول ما يتراءى للعين لدى مشاهدة كوكبة الثعلب بالمنظار العادي نجمها اللامع ألفاAlpha Vulpeculae (والذي يدعى أيضاً الإوزة Anser)، وهو نجم عملاق أحمر من الصنف M0III متقلب سريع الزوال، قدره الظاهري 4.44، ويبعد 297 سنة ضوئية عن الشمس. يبث نجم الإوزة طاقة ضوئية تزيد على 390 ضعف طاقة الشمس، ويعادل حجمه 45 ضعفاً من حجم الشمس. ويُظن أن له نواة من الهليوم الخامد مع بوادر اندماج هدروجيني، وقد تكون نواته من الأكسجين والكربون الخامد بانتظار توهج ثانٍ ليتحول إلى نجم من الصنف K. وبالقرب من الإوزة ثمة نجم آخر هو فولبكولاي – 8 على خط النظر لرؤية الإوزة وتحديد موقعها، وهو عملاق giant برتقالي طيفه من النمط K0III، وقدره الظاهري 5.81، ويبعد عن الأرض 284 سنة ضوئية.
- النجم 23 Vulpeculae: هو ثاني أكثر نجوم الكوكبة لمعاناً (سطوعاً، نصوعاً). وهو منظومة مزدوجة من النمط الطيفي K3III، وقدره الظاهري 4.52، ويبعد نحو 328 سنة ضوئية.
- النجم 31 Vulpeculae: يحتل المرتبة الثالثة في الكوكبة من حيث اللمعان، وقدره الظاهري 4.59، ويبعد عن الشمس 216.57 سنة ضوئية. وهو نجم متغير من الصنف G8III.
- النباض PSR B1919+21: هو أول نجم نباض pulsar عرفه الإنسان. اكتشفته في العام 1967 جوسلين بل بورنل Jocelyn Bell Burnell والمشرف على رسالتها أنتوني هيوش Antony Hewishمن كمبرِدج في أثناء بحثها عن نبضات إشارات راديوية تتكرر في كل 1.3373 ثانية وعرضها 0.04 ثانية، وظنَّا أنها إشارات صادرة عن حضارة غير أرضية، ولكن تبيّن أن هذه النبضات تأتي من نجم نيوتروني دوار.
- النباض PSR B1937+21: أول نبّاض دوره ميلي ثانية mille second pulsarعرفه البشر، نبضته 1,557708 ميلي ثانية، أي إنه يدور 642 دورة في الثانية. اكتُشف في عام 1982، ويقع على بضع درجات من النباض PSR B1919+21. ويبعد 228312 سنة ضوئية.
- تشتمل كوكبة الثعلب كذلك على النجم المزدوج HD 189733b، ويقع على 0.3 درجة إلى الشرق من الجسم M27، ويعتقد أن الأول منهما قزم برتقالي من الصنف النجمي K1.5V، وهو أصغر من الشمس وأقل إضاءة منها. وكتلته تعادل 82% من كتلة الشمس، وقطره 75% من قطرها. ولكن نوره لا يتجاوز 26.4% من نورها. ويعتقد أن عمره يزيد على 600 مليون سنة.
أما النجم الآخر (الثاني) فقزم أحمر. وقد تأكد في شهر تشرين الأول/أكتوبر عام 2005 وجود مؤشرات كيميائية لبخار الماء وثنائي أكسيد الكربون في جوّه، وبذلك يكون الكوكب الأول والأقرب خارج المنظومة الشمسية، ويدور حول القزم البرتقالي الأول، ولكن درجة حرارة جوّه تقارب 930° سلسيوس، ويستحيل العيش فيه.
- ثمة مجموعة نجوم تدعى كولّيندر 399 Collinder، أو عنقود بروكيBrocchi’s Cluster أو عنقود الصوفي Al Sufi’s Cluster (الشكل 4)، وهو جسم مثير للدهشة يرى بالمنظار أو بمقراب واسع الحقل، يتألف من مجموعة نجوم معروفة منذ العام 964 م. وتشكل أكثر النجوم لمعاناً في العنقود كويكبة (مجمّة) asterism معروفة يطلق عليها اسم شماعة المعاطف Coathanger. وقد ذكرها الصوفي في أرجوزته، واكتشفها الفلكي جيوفاني هوديرنا Giovanni Hodierna مستقلاً في القرن السابع عشر. وفي العشرينيات من القرن العشرين رسم داليرمو فرانسيس بروكي Dalmero Francis Brocchi- وهو فلكي هويّ وصانع خرائط لاتحاد رُصّاد النجوم المتغيرة الأمريكي American Association of Variable Star Observers- خريطة لهذا الجسم لاستخدامها في معايرة المقاييس الضوئية. وبسبب حجمه المتسع الذي يزيد على 60 دقيقة قوسية لم يتضمن مُصوَّرا (فهرسا) ميسييه Messier وهرشل Herschel هذا الجسم. وليس فيه سوى ستة نجوم تتشارك بالحركة الخاصة نفسها، ويمكن أن تجعل منه عنقوداً أقرب إلى النَّظْم أو الثريا (القُنو النجمي) Pleiades. غير أن الدراسات بينت أنه مجرد كويكبة وفي قلبها نجمان مزدوجان.
![]() |
|
الشكل (4) عنقود بروكي أو كوليندر 399.
|
- الجسم الآخر المثير للاهتمام في كوكبة الثعلب جسم ميسييه Messier object المعروف باسم ميسييه 27Messier 27، أو سديم دمبل Dumbbell Nebula. اكتشف ميسييه هذا السديم nebula النجمي (الشكل 5) في العام 1764 بوساطة مقراب telescope طول محرقه 1.067 م، ويبعد 850 سنة ضوئية، وعمره 48000 سنة.
يبدو هذا السديم الكوكبي المدهش على شكل قرص متوهج قطره 6 درجات قوسية شبيه بنصف تفاحة خضراء باهتة، ويُرى في المقراب جسماً أخضر نابضاً مزدوجاً شبيهاً بالساعة الرملية يكاد يتحرك وكأنه حي. ومع أنه ليس أكبر السدم الكوكبية قاطبة؛ فهو الأكبر من نوعه قي قائمة ميسييه، وهو بلا شك أكثر الأجسام من هذا القبيل لمعاناً. إذ يوحي اتساع الجسم M27 ولمعانه أنه قريب جداً من منظومتنا الشمسية.
![]() |
|
الشكل (5) الجسم M27 أو سديم دمبل.
|
يظن بعض الباحثين أنه من الصعب الاهتداء إلى هذا الجسم، غير أن أسهل طريقة لمشاهدته بالمنظار العادي البحث على بعد بصمة إصبع إلى الشمال من النجم غاما ساجيتا Gamma Sagittae (من كوكبة السهم)، إلى الغرب مباشرة من النجم اللامع ألبيريو Albereo، ثم قياس المسافة بين هذين النجمين اللامعين وتقدير المسافة نفسها إلى الشمال من نهاية (ذروة) السهم.
لم تكن تقانات القرن الثامن عشر قادرة على تحري فيزيائية الجسم M27 أو مميزاته، وما يزال العلم حتى اليوم قاصراً عن إدراك بعض غوامض السدم الكوكبية الثنائية القطب كهذا الجسم، ومن ذلك الآلية الميكانيكية التي تسببت في انفلات الغلاف الغازي الخارجي المحيط بنجم قليل الكتلة مخلفاً قزماً أبيض حاراً من الأشعة السينية X-ray. إذ إن هذه الغمامة المتسعة جداً ليست إلا غلافاً غازياً أبعده نجم اقتربت نهايته، وكانت الغمامة قد تكونت عندما كان النجم شبيهاً بالشمس، ثم دخل في المرحلة الأخيرة من حياته، فانتفخ وصار عملاقاً أحمر، أي نجماً بارداً يزيد حجمه على مئة ضعف حجمه الأول، ثم نفض عنه طبقاته الخارجية إلى الفضاء، ولم يبقَ منه إلا كتلته الحارّة جدّاً، وهو يبث طاقة كبيرة كافية لتجعل غلافه الغازي المنتفخ يتوهج نوراً كمصباح (النيون). ويُعدّ هذا أقرب مثال لما يمكن أن يكون مصير الشمس وتحولها إلى مثل هذا النمط السديمي بعد أن يتوقف الاندماج النووي في نواتها في مستقبل الزمن، أي بعد نحو خمس مليارات سنة من اليوم.
- قبل نحو عقدين من الزمن سجل أحد السواتل الفلكية اليابانية وميضاً ضوئياً لامعاً من الأشعة السينية صادراً عن كوكبة الثعلب. وأبلغ فريقان من علماء الفلك عن ظهور نجم جديد دعوه QZ Vulpeculae. وهذا النجم هو في الواقع نجمان يدور أحدهما حول الآخر بقوة الجاذبية، ويبعدان 14000 سنة ضوئية عن الأرض، ولم يشاهد أحد هذه المنظومة حتى العام 1988. أحد هذين النجمين كبير الكتلة؛ ولكنه معتم، أما الآخر فكتلته أصغر؛ ولكنه مرئي تماماً بمقراب أرضي كبير. وقد تبيّن فيما بعد أن النجمين يدوران أحدهما حول الآخر دورة كاملة كل ثماني ساعات، وهذا يعني أنهما قريبان أحدهما من الآخر. وقد قام فريقان من الفلكيين مؤخراً بقياس سرعة النجم المرئي منهما. وتوحي المعلومات التي أمكن الحصول عليها أن النجم المعتم منهما يقارب حجمه خمسة أضعاف حجم الشمس أو أكثر، وهذا يعني أنه أفضل نموذج مرشح لثقب أسود black hole اكتشف إلى اليوم.
يحتمل أيضاً أن وميض الأشعة السينية الذي شوهد قبل عشر سنوات قد حدث عندما جذب الثقب الأسود مادة من رفيقه. شكلت تلك المادة قرصاً أحاط بالثقب الأسود، فتزايدت حرارته شيئاً فشيئاً إلى أن انفجر مؤذناً بحدوث ثقب أسود.
- العنقود النجمي المفتوح NGC 6823: عنقود مفتوح مركَّز من القدر 7، يتألف من نجوم حارة متبدلة زرقاء/بيضاء تكونت قبل ملياري سنة. وتبعد نحو 6000 سنة ضوئية، وتشغل مساحة من الفضاء تقدر بنحو 50×50 سنة ضوئية، وتتشارك في حقل الرؤية مع سديم كبير جداً منير وعاكس هو السديم NGC6820. وعند المشارف البعيدة للعنقود النجمي ثمة نجوم جديدة تتشكل من تكتلات الغاز والغبار، وتشع حرارة، وتحجبها أكثر النجوم لمعاناً. يغطي السديم NGC6820 مساحة تفوق مساحة العنقود بأربع مرات. غير أن ضوءه باهت (الشكل 6).
![]() |
|
الشكل (6) العنقود النجمي المفتوح NGC 6823 تحاصره إشعاعات السديم NGC 6820.
|
- المجرة الإهليلجية NGC 7052: هي جسم على حافة مجرة لولبية spiral galaxy على بعد 214 مليون سنة ضوئية، لها قرص disc من الغبار في مركزها، قطرها 3700 سنة ضوئية، وفيها ثقب أسود ضخم جداً في نواته تعادل كتلته 300 مليون ضعف كتلة الشمس، وتصدر عنه انبعاثات راديوية قوية جداً. يفترض الفلكيون أن القرص هو بقايا مجرة أصغر ولدت مع الجسم NGC 7052 (الشكل 7)، وتصنف على أنها مجرة راديوية.
![]() |
|
الشكل (7) المجرة الإهليلجية NGC 7052.
|
- السديم الكوكبي NGC 6885 (كالدويل 37): قدره الظاهري 5.7/8.1، ويبعد 1950 سنة ضوئية عن الشمس. وهو عنقود نجمي مفتوح قريب من السديم دمبل، ويحيط بنجم ينتمي إلى الصنف الطيفي O أو B، ويمكن رؤيته من غير منظار.
|
مراجع للاستزادة:
- A. Clarke, Discovering Deep Sky Objects: Over 600 Galaxies, Clusters, Nebulae, Variables and Carbon Stars, Independently Published, 2022. - G. Cornelius, Starlore of the Constellations: The Astronomy, Myth and Symbolism of the Night Sky, Watkins Media, 2024. - J. Kanipe, Annals of the Deep Sky: A Survey of Galactic and Extragalactic Objects, AAS Sky Publishing, 2024. - I. Ridpath, Stars and Planets, Dorling Kindersley Limited, 2022. - S. Webb, A Guide to the Night Sky: The Science and Lore Behind Our Constellations, Smith Street Books, 2025.
|
- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :






