تنفس عند انسان
-

التنفس عند الإنسان

حسن حلمي خاروف

التهوية

تنظيم عمليات التنفس

آليات تبادل الغازات التنفسية

علاقة جهاز التنفس بجهاز الدوران وتبادل الغازات

 

التنفس عند الإنسان هو الفعاليات التي توفر له ما يحتاج إليه جسمه من الأكسجين؛ وطرح ثنائي أكسيد الكربون، ويتم ذلك بوساطة جهاز في القفص الصدري هو جهاز التنفس؛ تحيط به الأضلاع من الجانبين ومن الأمام والخلف، يساهم في ذلك أيضاً العمود الفقري من الخلف، وتحته عضلة الحجاب الحاجز diaphragm التي تفصله عن جوف البطن.

يبدأ هذا الجهاز بتجويف الأنف الذي تبطنه ظِهارة epithelium مخاطية، يؤدي إلى بلعوم تتصالب فيه بداية جهاز التنفس مع بداية جهاز الهضم في منطقة المزمار  glottisومن ثم الحنجرة larynx. ثم يدخل الهواء الشهيقي إلى قصبة هوائية رئيسية  bronchus principalis تسمى الرغامى trachea تكون مدعومة بحلقات غضروفية تحافظ عليها مفتوحة دائماً. تنقسم الرغامى إلى قصبتين  bronchi(مفردها bronchus) تدخل كل منهما رئة تتفرع فيها إلى فروع دقيقة تسمى القصيبات  bronchiolesتنتهي بملايين الأجواف الدقيقة تسمى الواحدة منها سنخاً alveolus واسع السطح الداخلي، وتحيط به شبكة دموية شعرية تتلقى غاز الأكسجين وتطرح فيه غاز ثنائي أكسيد الكربون (الشكل 1).

الشكل (1) رئة الإنسان وحويصلاته الرئوية.

 

تغطي ظهارةَ جميع هذه العناصر الأنبوبية أهدابٌ ومادةٌ مخاطية تقوم باقتناص الغبار والمُعَلَّقات الأخرى التي يمكن أن يحملها الهواء الشهيقي وتقوم بدفعها نحو خارج الجهاز.

تتألف الرئة من نسيج ضام شديد المرونة مع بعض الألياف العضلية، تغطيها ظهارةٌ رقيقة تسمى الجَنَبَة الحشوية visceral pleura، ويُبَطِّن السطح الداخلي لجوف الصدر طبقةٌ أخرى تسمى الجَنَبَة الجدارية parietal pleura. تتطابق الجَنَبَتان بعضهما على بعض وتنزلق إحداهما على الأخرى عند تمدد الرئتين أو استرخائهما، ويوجد بينهما فراغ يسمى جوف الجَنْب pleural cavity يحتوي على سائل يساعد الرئتين على تمددهما واسترخائهما في أثناء الشهيق والزفير.

التهوية

التهوية ventilation في جهاز التنفس هي الآلية التي يتم من خلالها دخول الهواء الجوي المُحَمَّل بالأكسجين - حيث الضغط عالٍ - إلى الرئتين - حيث الضغط منخفض-  في عملية تسمى الشهيق inhalation؛ وخروجه منهما في عملية تسمى الزفير exhalation، وهي حوادث تتكرر فيما يسمى الدورة التنفسية respiratory cycle. يتم ذلك بفضل مجموعة من العضلات بين الأضلاع هي العضلات الوربية (بين قَصِّية) intercostal muscles؛ وبعضلة الحجاب الحاجز.

الشهيق: الشهيق هو المرحلة النشطة active phase في فعاليات التهوية؛ لأن العضلات الوربية الخارجية تتقلص فيرتفع نتيجة ذلك عظم القص وتَنْشَدّ الأضلاع نحو الجانبين والأعلى، فينسحب معها جدار الرئتين نحو الخارج، كما تتقلص عضلة الحجاب الحاجز فتتسطح وتنخفض إلى الأسفل فتسحب قاعدة الرئتين إلى الأسفل. يؤدي كل ذلك إلى توسع القفص الصدري؛ ومن ثَم إلى توسع الرئتين وانخفاض الضغط ضمن الأسناخ الرئوية فيندفع الهواء فيها (الشكل  2). يعني ذلك أن الهواء يدخل إلى الرئتين "بصورة سلبية" بسبب انخفاض الضغط ضمن الأسناخ الرئوية وانخفاض الضغط ضمن القفص الصدري.

الشكل ( 2) تغيرات عناصر جهاز التنفس عند الإنسان

في أثناء الشهيق والزفير.

 

الزفير: يمثل الزفير المرحلة السلبية passive phase في الدورة التنفسية؛ لأن دخول الهواء إلى الرئتين لا يحتاج إلى أي فعالية عضلية؛ إذ تسترخي العضلات الوربية الخارجية وتعود كلها إلى وضعها الأصلي فتتحرك الأضلاع نحو الأسفل وإلى الداخل، ويسترخي الحجاب الحاجز الذي يَتَحَدَّب ويضغط على الرئتين من الأسفل، ينتج من كل ذلك انضغاط الرئتين مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الهواء ضمنهما بالنسبة إلى ضغط الهواء في الخارج، فيخرج هذا بشكل هواء زفيري. (الشكل 3).

الشكل ( 3) تغيرات ضغط الهواء ضمن رئتي الإنسان في أثناء الدورة التنفسية.

 

كما يتبدل تركيب الهواء في الرئتين في أثناء الشهيق والزفير، كما يبينه الجدول (1):

الجدول (1)

الغاز

النسبة المئوية لحجم الغاز في هواء الشهيق

النسبة المئوية لحجم الغاز في هواء الزفير

الأكسجين

 21%

16,5%

ثنائي أكسيد الكربون

 0,03%

 4%

الآزوت (النتروجين)

 78%

 79,5%

غازات أخرى

تقريباً  1%

تقريباً  1 %

تنظيم عمليات التنفس

يُنجِز الإنسان الطبيعي  12-  20 دورة تنفسية في الدقيقة، تضم الواحدة منها شهيقاً وزفيراً. يتم تنظيم ذلك بآليتين: عصبية وكيميائية.

التنظيم العصبي للتنفس: يسيطر على التنظيم العصبي للتنفس مركزٌ منظِّم للتنفس respiratory control center يوجد في البصلة السيسائية (المخ  المستطيل)  medulla oblongata من الدماغ. يُرسِل هذا المركز دفعات عصبية آلياً إلى الحجاب الحاجز بوساطة عصب نخاعي spinal nerve هو العصب الحجابي phrenic nerve؛ وإلى العضلات الوربية (بين القصية) في القفص الصدري بوساطة أعصاب وربية (بين قصية) (الشكل 4)؛ عندها يحدث الشهيق، وعندما تتوقف مراكز التنفس عن إرسال هذه الإشارات إلى الحجاب الحاجز والقفص الصدري تسترخي العضلات ويحدث الزفير.

الشكل (4) التنظيم العصبي للتنفس عند الإنسان.

 

على الرغم من أن المراكز العصبية تُسَيِّر عمليتي الشهيق والزفير -من حيث المُعَدَّل والعمق- فإنه يمكن أيضاً تعديل هذه الفعاليات إرادياً. يمكن مثلاً تعديل هذه الفعاليات في أثناء الكلام والغناء وتناول الطعام والسباحة وغير ذلك، فبعد شهيقٍ قسري مثلاً تستجيب مستقبلاتُ شَدّstretch receptors    - موجودة في جدران الأسناخ الرئوية والمجاري الهوائية - لارتفاع الضغط ضمن الرئتين، فتنطلق نبضاتٌ عصبية مُثَبِّطَة inhibitory nerve impulses تنتقل من الرئتين المتمددتين إلى المركز التنفسي، فتوقِف – مؤقتاً- إرسال الإشارات العصبية ويُمَنَّع التمدد الشديد للنسيج المرن في الرئتين.

التنظيم الكيميائي للتنفس: تتأثر عمليات التنفس أيضاً بعوامل كيميائية. من المعروف أن الخلية تُنتِج -من خلال نشاطاتها المختلفة- غاز ثنائي أكسيد الكربون الذي يُشَكِّل بتفاعله مع الماء حمض الكربون الذي يتأين فتتحرر إيونات الهدروجين التي تُغَيِّر درجة حموضة (الباهاء) pH في الدم (معروف أنه عندما تزداد إيونات الهدروجين تنخفض درجة الحموضة في الدم). توجد مستقبِلاتٌ كيميائية مركزية  central chemoreceptorsفي البصلة السيسائية من الدماغ وأخرى محيطية peripheral  في الأجسام السباتية  carotid bodiesالمنتشرة في الشرايين السباتية carotid arteries وفي الشريان الأبهر aorta؛ لا تتحسس كثيراً بتغير نسبة الأكسجين في الدم بل بزيادة تركيز ثنائي أكسيد الكربون فيه؛ ومن ثم بتغير درجة الحموضة في الدم، فتقوم باستثارة مركز التنفس عند الأفعال المُجْهِدَة بسبب انخفاض درجة الحموضة وعند انخفاض أكسجين الشرايين إلى نحو 50% عن السوية العادية، فيزداد معدل التنفس وعمقه فتُنزَع الكميات الزائدة من ثنائي أكسيد الكربون؛ ويعود تركيز إيونات الهدروجين في الدم؛ ويعود معدل التنفس إلى حالته الطبيعية. 

آليات تبادل الغازات التنفسية

تتطلب فعاليات الاستقلاب أن يحمل الدم كمياتٍ كبيرةً من الأكسجين وثنائي أكسيد الكربون، ويبدو أن الأمر يتم بفعالياتِ نقلٍ تتضمن أمرين اثنين: تدرج الضغط الجزئي partial pressure gradients، وبعض الأصبغة التنفسية respiratory pigments.

دور تدرّج الضغط الجزئي: تنتشر الغازات في الرئتين والأعضاء الأخرى مع تدرج الضغط down pressure gradient، فانتشار الغازات -سواء كانت في الهواء أم كانت منحلة في الماء- تعتمد على اختلاف كمياتها المنحلة فيه؛ فيما يسمى الضغط الجزئي partial pressure (P). وينتشر الغاز دوماً من المناطق الغنية به؛ أي من المناطق عالية الضغط الجزئي متجهاً نحو المناطق الفقيرة به؛ أي المناطق منخفضة الضغط الجزئي. فالدم الذي يصل الرئتين من أنحاء الجسم بوساطة الشرايين الرئوية يتمتع بضغط أكسجين جزئي منخفض (PO2 = 40mm)،  وبضغط ثنائي أكسيد الكربون جزئي مرتفع(PCO2 = 46mm)  في حين يكون الضغط الجزئي للأكسجين في الهواء الجوي الذي لم يتم تبادله بعد مرتفعاً(PO2 = 159mm)  ويكون الضغط الجزئي لثنائي أكسيد الكربون في هذا الهواء منخفض (PCO2 = 0.23mm)  (الشكل 5). لذلك يَعْبُر الأكسجين الموجود في هواء الأسناخ جدران الأسناخ وينتقل إلى الدم الذي يرتفع فيه الضغط الجزئي للأكسجين فيصبح الدم محملاً بهذا الغاز وبضغط جزئي يساوي PO2 =100mm؛ وينخفض ضغط ثنائي أكسيد الكربون في هذا الدم ليصبح PCO2 = 40mm  ويرتفع ضغط الأكسجين إلى PO2 =104mm ، لكن يصبح الضغط في الهواء الزفيري لثنائي أكسيد الكربون  PCO2 = 27mm  وللأكسجينPO2 =120mm. يُنقَل عندها الدم بالأوردة الرئوية  pulmonary veinsإلى القلب الذي يوزعه إلى الجسم بالدوران الجهازي systemic circulation.

الشكل (5) تفريغ الغازات التنفسية وتحميلها في الرئتين وخلايا الجسم

من خلال العلاقة بين جهازي الدوران والتنفس.

 

في سوية النسج يكون الضغط الجزئي للأكسجين في الدم عالياً (PO2 = 100mm) بحيث ينتقل من الدم باتجاه النسج، في حين يكون ضغط ثنائي أكسيد الكربون في النسج عالياً(PCO2 = 50mm)   فينتقل هذا من النسج إلى الدم الفقير به (PCO2 = 40mm) ، فتنقله الأوردة في الدوران الجهازي إلى القلب ليضخه إلى الرئتين لتنقيته وإحلال الأكسجين محل ثنائي أكسيد الكربون، فيصبح الضغط الجزئي للغازات في الدم الذي يغادر النسج كالآتي: للأكسجين  PO2 = 40mm ؛ وثنائي أكسيد الكربونPCO2 = 46mm  .

دور الأصبغة التنفسية في نقل الأكسجين: يمثل انخفاض قابلية انحلال الأكسجين في الماء، ومن ثم في الدم مشكلة بالنسبة إلى الكائنات الحية التي تعتمد على هذا الأخير في توفير التبادل الغازي، إذ ينحل في كل لتر من دم الإنسان من دون خضاب الدم (هيموغلوبين hemoglobin) ما يعادل  4,5مل من الأكسجين، فإذا احتاج الأمر إلى نقل 80% من الأكسجين الذي يحمله الدم - وهذه كمية كبيرة جداً- لاحتاج القلب إلى ضخ  555لتراً من الدم في الدقيقة، لذا لابد من وجود حامل آخر لهذا الغاز؛ يتمثل هذا بالأصبغة التنفسية respiratory pigments التي هي عند الإنسان خضاب الدم (الهيموغلوبين) الذي يتألف من أربع وحدات من البروتينات: وِحْدَتَي بتا β ووِحدَتَي ألفا α تحمل كل منها تميماً cofactor يسمى الهيم heme يمتلك في مركزه ذرة الحديد التي ترتبط بالأكسجين (الشكل6). وبذلك تزداد كمية الأكسجين التي يحملها الدم التي تصل إلى نحو 200 مل من الأكسجين في كل لتر عند الثدييات. وفي المثال السابق للإنسان ينخفض ما يضخه القلب إلى  12,5 لتر في الدقيقة الواحدة.

الشكل ( 6) جزيء الهيموغلوبين وعناصره المختلفة.

 

نقل ثنائي أكسيد الكربون: يساعد الهيموغلوبين أيضاً على نقل ثنائي أكسيد الكربون وفي عمليات الوقاية (الدَرْء) buffering؛ أي منع تغيرات درجة حموضة (باهاء) pH الدم. تقوم البلازما الدموية بنقل نحو 7% فقط من ثنائي أكسيد الكربون، ويرتبط نحو 27% منه بمجموعات أمينية في الهيموغلوبين، ونحو 70% من هذا الغاز بشكل إيونات البيكربونات  bicarbonate ions (HCO3-). ينتشر ثنائي أكسيد الكربون الذي انطلق من خلايا النسج في بلاسما الدم، ثم يدخل الكريات الحمراء (الشكل 7) حيث يتفاعل مع الماء - بمساعدة إنزيم الأنهيدراز الكربونية carbonic anhydrase - مشكلاً حمض الكربون H2CO3 الذي لايلبث أن يتأين محرراً إيونات الهدروجين H+ والبيكربونات HCO3-. يرتبط إيون الهدروجين مباشرة بالهيموغلوبين وبروتينات أخرى، مما يخفف من تغيرات درجة حموضة الدم، أما إيونات البيكربونات فإنها تنتشر في البلاسما. وعندما ينتقل الدم إلى الرئتين تنعكس الأمور بسرعة لدى خروج ثنائي أكسيد الكربون من الدم مما يُحَوِّل التوازن الكيميائي لمصلحة تحول البيكربونات إلى ثنائي أكسيد الكربون.

الشكل (7) مبادلات ثنائي أكسيد الكربون في مستوى الأسناخ وفي مستوى خلايا الجسم.

علاقة جهاز التنفس بجهاز الدوران وتبادل الغازات

يرتبط جهازا التنفس والدوران بعضهما ببعض، فالأول يوفر الأكسجين اللازم للإنسان ويطرح ثنائي الكربون؛ والثاني يقوم بتوزيع الأكسجين وانتقاله إلى المناطق اللازمة ونقل ثنائي أكسيد الكربون إلى الرئتين لطرحه. ففي الدوران الرئوي pulmonary circulation يأتي الدم الفقير بالأكسجين من القلب إلى الشعريات الدموية التي تحيط بالأسناخ الرئوية التي يُلتَقَط منها الأكسجين ويعود إلى القلب محمَّلاً به. وفي الدوران الجهازي تحمل الشرايين المحمَّلة بالدم المشبع بالأكسجين إلى نسج الجسم المختلفة لتعطيها الأكسجين وتلتقط منها ثنائي أكسيد الكربون، ثم يعود هذا الدم إلى القلب ومن هناك إلى الرئتين (الشكل 8).

الشكل (8) الارتباط بين جهاز التنفس وجهاز الدوران.

مراجع للاستزادة:

 

-    S. BREE , Human Respiratory System: Let me explain how your respiratory system functions,  Independently published, 2024.

-          T. Gagne, The Human Respiratory System (Amazing Human Body), Brightpoint Press, 2025.

-      J. ModiS. PrabhuD. Bhoir, Mathematical Modeling of the Human Respiratory Control System: A compartmental approach with dynamic gas exchange mechanisms to simulate responses under various biological conditions, LAP LAMBERT Academic Publishing, 2024.

-          A. RobertsThe Complete Human Body: The Definitive Visual Guide, DK, 2023.

 


- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1