التيلوميرات
تيلوميرات
Telomeres -
التيلوميرات
محيي الدين عيسى
تضاعف الدنا DNA وانتقال التيلوميرات
علاقة التيلوميرات ببعض الأمراض
التيلوميرات telomeres أو ما يدعى القُسيمات الانتهائية بُنىً متخصصة توجد في نهايات صبغيات الكائنات حقيقيات النواة eukaryotes، ولا توجد في طلائعيات النواة prokaryotes لأن الدنا DNA فيها حلقي. تُشكل التيلوميرات قطبية معينة للصُبيغياتchromatids ، وتحمي نهاياتها من التحلل أو الاندماج إذ تمنع الصبغيات من أن يتصل بعضها ببعض، وحدوث تأشيب recombination غير مرغوب فيه للحمض النووي فهي تعمل كغطاء يمنع التعرف على نهايات الصبغي على أنها حمض نووي تالف وتحفيز آليات الإصلاح التي يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار. إضافة إلى ذلك، تؤدي التيلوميرات دوراً حاسماً في الحفاظ على استقرار الجينوم في أثناء انقسام الخلايا من خلال السماح بالتضاعف السليم للحمض النووي ومنع فقدان المعلومات الوراثية الأساسية. فضلاً عن عملها كمؤقت جزيئي من خلال التحكم في عمر الخلية حقيقية النواة
يتألف التيلومير من تَتالي من الأسس الآزوتية nitrogenous bases
على إحدى السلسلتين، يتقابل مع التتالي
في السلسلة المقابلة،تصطف مترادفة tandemبعضها خلف بعض (الشكل 1).في الثدييات، تكون التيلوميرات محافظة الى درجة عالية، أي أنها تظل دون تغيير نسبياً.
![]() |
|
الشكل (1) مخطط يوضح بنية نهايات الصبغي؛ التيلومير وتسلسلاته التكرارية |
يتراوح طول قطعة التيلومير لدى البشر بين 5000 إلى 15000 زوج من الأسس. يتميز هذا الامتداد الطويل من تسلسلات الحمض النووي المتكررة بوجود نتوء أحادي السلسلة في النهاية
يتراوح من 100 إلى 200 نوكليوتيد من تكرارات TTAGGG. ينثني لتشكل حلقة أطلق عليها اسم حلقات T، T-loops التي لوحظت لأول مرة بواسطة المجهر الإلكتروني للتيلوميرات البشرية النقية التي تم تجريدها من بروتيناتها وتثبيتها (الشكل 2).
![]() |
| الشكل (2) صورة بالمجهر الإلكتروني لأحد الصبغيات لدى الإنسان وتبدو الحلقة T بوضوح. |
يتطلب تكوين حلقات T كل من التكرارات التيلوميرية والذيل G أحادي السلسلة. تقوم تسلسلات الحمض النووي هذه بتجنيد مجموعة من بروتينات ربط الحمض النووي الخاصة بالتيلومير والتي تحفز تكوين حلقة T. يوضح الشكل (3) نموذجاً مبسطاً عن بنية التيلومير. لاحظ أن الذيل G في الطرف
من الصبغي يغزو الحمض النووي التيلوميري مزدوج السلسلة، مكوناً حلقة (D) من تكرارات TTAGGG. يتم بعد ذلك ربط السلسلة ببروتين يدعى"حماية التيلوميرات". "protection of telomeres." اختصارا POT1، ترتبط معه تجمعات بروتينية أخرى متعددة في جميع أنحاء المناطق ذات السلسلتين من التيلومير (الشكل 3).
![]() |
|
الشكل (3) بنية التيلومير. |
تضاعف الدنا DNA وانتقال التيلوميرات
يتضاعف الدنا بالطريقة نصف مُحافظة لانتقال كامل المعلومات الوراثية genetic informations من جيل إلى آخر (الشكل 4)، ومن خلية إلى أخرى, يؤدي إنزيم بوليمراز الحمض النوويDNA polymerase دوراً بارزاً في عملية التضاعف إذ يمكن لهذا الإنزيم تركيب سلسلة من الحمض النووي فقط في الاتجاه من
إلى
. يتطلب بوليمراز الحمض النووي بادئات RNA قصيرة لبدء التضاعف: تبدأ عملية التضاعف عندما يرتبط بادىء RNA (بواسطة إنزيم البرايماز primase) بقالب DNA لتوفير مجموعة
حرة حيث تتم إضافة نيوكليوتيدات جديدة. في أثناء تركيب السلسلة القائدة leading strand، التي تمتد من الاتجاه
إلى الاتجاه
، هناك حاجة إلى بادىء واحد فقط ليكون التركيب في هذه السلسلة مستمراً. ويرجع ذلك إلى إضافة نيوكليوتيدات جديدة في اتجاه شوكة التضاعف. في الوقت ذاته، يحدث تركيب السلسلة المتأخرة من الحمض النووي في الاتجاه من
إلى
وهناك حاجة إلى عدة بادئات RNAللسلسلة المتأخرة، إذ يتم تركيب السلسلة بشكل متقطع في أجزاء قصيرة تعرف باسم أجزاء أوكازاكي Okazaki، ولكل منها بادىء RNA خاص بها. يتم بعد ذلك تحلل بادئات الحمض النووي الريبي، ثم يتم ملء الفجوات بين أجزاء أوكازاكي بوساطة إنزيمية. ينشأ التحدي عند الطرف
من السلسلة المتأخرة، حيث تحدث "مشكلة نهاية التضاعف" عند إزالة بادئ الحمض النووي الريبي RNA primer النهائي بعد التضاعف الكامل. لا يستطيع بوليمراز الحمض النوويDNA polymerase تركيب نهاية السلسلة المتأخرة بسبب عدم وجود مجموعة
حرة بعد إزالة بادئ الحمض النووي الريبي. وبالتالي، يحدث بعد كل مرحلة S من انقسام الخلايا، تقاصر في التيلوميرات بقدر 50-150 زوجاً من الأسس ومن دون حل لتلك المشكلة فإن الصبغيات سوف تقصر تدريجياً على مدى العديد من انقسامات الخلايا، وهي عملية من شأنها أن تؤدي إلى عواقب كارثية (الشكل 5).
![]() |
|
الشكل (4) تضاعف الدنا وآلية عمل إنزيم التيلوميراز. أ) تضاعف جزء من الدنا: يمثل الشريط العلوي السلسلة المتأخرة والشريط السفلي السلسلة القائدة. لا يمكن أن يتضاعف التيلومير بسبب عدم وجود برايمر الحمض النووي الريبي. ب) يضع التيلوميراز قالب RNA الذي يرتبط بالحمض النووي التيلوميري. ج) يتم وسم الصبغيات (باللون الأزرق) بملون يتألق في الموضع لإظهار موقع التيلوميرات (باللون الأصفر). |
![]() |
|
الشكل (5) آلية تقاصر التيلوميرات مع استمرار جولات تضاعف الدنا لنهايات الصبغي. |
بحلول منتصف الثمانينيات، بدأ العلماء في تجميع الأدلة على أن الخلايا كانت قادرة على حل تلك المشكلة عن طريق إطالة التيلوميرات الخاصة بها بواسطة إنزيم يدعى التيلوميراز Telomerase. يوجد إنزيم التيلوميراز في الخلايا الجنسية (النطاف والبيوض)، والخلايا الجذعية وله نشاط متزايد في الخلايا السرطانية. هذا الإنزيم مسؤول عن إطالة التيلوميرات عن طريق إضافة تسلسلات TTAGGG من جديد إلى النهاية
من الصبغي بألية بالانتساخ العكسي reverse transcription. يعد الإنزيم بروتين ريبي نووي ribonucleoprotein يتضمن قالباً من الـ RNA له تسلسل متمم لوحدة تكرار التيلومير وبذلك يُصان الطول الأعظمي للتيلوميرات في صبغيات الأعراس وفي صبغيات اللاقحة zygote، وهذا ما يسوغ تواصل دنا جينوم الخلايا الجنسية في انتقاله عبر الأجيال العديدة من دون تغير في تيلوميراتها؛ لأنه لو حدث تقاصر كما في الخلايا الجسمية لأدى ذلك إلى فقدان بعض الجينات الأساسية وإلى الموت.
فوجئ علماء الوراثة عندما اكتشفوا وجود إنزيم التيلوميراز في الخلايا السرطانية؛ مما مكنهم من شرح قدرتها على المحافظة على أطوال التيلوميرات في الانقسامات الخلوية السريعة وعلى قدرتها على الانتشار في النسج الحية وعدم قابليتها للموت (قبل موت المتعضية). وقد تبين لهم إمكان معالجة جديدة للأورام السرطانية بوقف تثبيط إنزيم التيلوميراز مما يؤدي إلى وقف انقسام الخلايا الورمية ومن ثم تدمير خلايا النسج السرطانية ذاتياً.
عندما تبدأ الخلية بالتحول إلى خلية سرطانية فإنها تنقسم أكثر من مرة وتصبح التيلوميرات قصيرة جداً، وعندما تصبح هذه التيلوميرات قصيرة جداً تموت الخلية. وغالباً ما تنجو هذه الخلايا من الموت بصنع إنزيم التيلوميراز الذي يمنع التيلوميرات من أن تزداد قِصراً، علماً أن هذه التيلوميرات القصيرة توجد في كثير من أنواع السرطانات مثل سرطان المعثكلة (البنكرياس) والعظام والبروستات والمثانة والرئة والكلية والرأس والعنق.
قد يكون قياس إنزيم التيلوميراز وسيلة لتحري السرطان، فإذا استطاع العلماء إيجاد طريقة لإيقاف إنزيم التيلوميراز فإنهم يستطيعون مكافحة السرطان بصنع خلايا سرطانية شيخة لا تلبث أن تموت. في إحدى التجارب أُوقف blocked نشاط التيلوميراز في خلايا سرطان ثدي وبروستات مزروعة في المختبر فكانت النتيجة موت الخلايا السرطانية، لكن كانت هناك محاذير تتمثل بإضعاف impair الخصوبة والتئام الجروح وإنتاج كريات الدم وخلايا الجهاز المناعي.
وقد برز حديثاً العلاج المناعي للسرطان الذي يستهدف التيلوميراز. نظراً لأن نشاط التيلوميراز مرتفع في الخلايا السرطانية، فإنه بذلك يشكل مستضداً جاذباً للعلاج المناعي الذي يستهدف التيلوميراز. وهناك عدة طرائق للعلاج أيضاً، بما في ذلك مثبطات الأوليغونوكليوتيد Oligonucleotide، وطرائق العلاج المناعي، والعلاج الجيني الموجه للتيلوميراز. مثبطات الأوليغونوكليوتيد هي أحماض نووية معدلة تعمل على تثبيط التيلوميراز، مما يؤدي إلى تقصير التيلومير وإجبار الخلايا على الشيخوخة والموت الخلوي المبرمج. تستخدم أساليب العلاج المناعي الخلايا اللمفاوية التائية عالية الحساسية التي تتفاعل ضد الإنزيم. وأخيراً، يتضمن العلاج الجيني الموجه للتيلوميراز القتل الانتقائي للخلايا السرطانية من خلال استهداف محفزات التيلوميراز.
وجد عالم الوراثة ريتشارد كاثون R. Cawthon وزملاؤه في جامعة يوتا ترافق التيلوميرات الأقصر للأفراد الأقصر عمراً، إذ تبين أن الأفراد الذين تجاوز عمرهم الـ 60 سنة، ولهم تيلوميرات قصيرة يكون احتمال تعرضهم للوفاة بسبب أمراض القلب أكثر بثلاث مرات من غيرهم، وبأمراض خمجية أكثر بثماني مرات.
إن المعرفة بارتباط التشيخ بقصر التيلوميرات لا تعني أن قصرها دائماً هو علامة للتشيخ، أو المساهمة في ذلك.
إذا كانت التيلوميرات تمنع الخلايا من الموت فهل تستطيع منعها من التشيخ؟ بمعنى هل بالإمكان إطالة عمر الخلايا؟ وهل بالإمكان إطالة العمر بالمحافظة على طول التيلوميرات بالتيلوميراز؟ مازال العلماء غير متأكدين من ذلك، لكنهم يستطيعون الآن استخدام التيلوميراز في المخابر لاستمرار انقسام الخلايا الجسمية أكثر من الحد الطبيعي من دون أن تتسرطن الخلايا.
إذا استطاع العلماء تحويل خلايا الإنسان إلى خلايا معمرة خالدة cellsimmortal فإنهم سيستطيعون إنتاج كميات كبيرة من الخلايا للتطعيم (ازدراع)transplantation ، بما في ذلك الخلايا المنتجة للأنسولين لمعالجة مرض السكري، والخلايا العضلية لمعالجة الحثل (الضمور) العضلي muscular dystrophy، وكذلك الخلايا الغضروفية لمعالجة بعض أنواع الرثية arthritis، والخلايا الجلدية من أجل الحروق الشديدة والجروح. كما أن توفر العديد من خلايا البشر يمكن أن يساعد كثيراً على اختبارات الأدوية ومعالجة بعض الأمراض الوراثية.
علاقة التيلوميرات ببعض الأمراض
يملك مرضى خلل التقرن الخلقي dyskeratosis congenita تيلوميرات أقصر بكثير من الأفراد الطبيعيين. يشيخ هؤلاء أسرع من الأفراد الطبيعيين ويموتون أبكر منهم، ويعانون أمراضاً خمجية وسرطان الدم leukemia وسرطانات دم أخرى وتشمع الكبد cirrhosis of liver وتليفاً رئوياً pulmonary fibrosis وتيبساً رئوياً pulmonary stiffening, ومعرضون لحصولهم على شعر رمادي وصلع أكثر من نظرائهم الطبيعيين، وكذلك صعوبة التئام جروحهم وتبقع جلدهم واضطرابات معوية وتلين عظامهم وصعوبة في تعلمهم. هناك أيضاً ما يشير إلى علاقة التيلوميرات بمرض ألزهايمر وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري من نمط 2type 2 diabetes.
|
مراجع للاستزادة:
- E. Epel, et al. The Telomere Effect: A Revolutionary Approach to Living Younger, Healthier, Longer, United States, Grand Central Publishing, 2017. - J. Fucile, Telomere Biology, ML Books International - IPS. 2015. - Meadowlark, The Telomere Effect: Protecting Your Genetic Timekeepers, Independently published 2025.
|
- التصنيف : الوراثة والتقانات الحيوية - النوع : الوراثة والتقانات الحيوية - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :




