توجه حيواني
Animal orientation -

التوجه الحيواني

 نذير خليل

آليات التوجه الحيواني

 

التوجه الحيواني animal orientation هو مقدرة الأنواع الحيوانية -بما تمتلكه من إمكانات- على تحديد موقعها في الوسط الذي تعيش فيه وموقعها بين الأفراد الأخرى، وتمكنها من الانتقال والهجرة من مكان إلى آخر بطريقة صحيحة، إضافة إلى مقدرة الكثير من الأنواع على العودة إلى المكان نفسه الذي هاجرت منه.

تترك كثير من الحيوانات أماكن معيشتها، وتهاجر إلى أماكن جديدة أكثر دفئاً وأوفر غذاءً، أو من أجل تكاثرها أو لأهداف أخرى. وتُعدّ هجرة الطيور بطريقة جماعية من الظواهر التي حيرت العلماء على مدى عقود؛ إذ تقطع مسافات هائلة عبر اليابسة والمحيطات (الشكل 1)، وغالباً ما تعود إلى الأماكن نفسها التي هاجرت منها، أو إلى الأعشاش ذاتها، ومن المعروف القدرة الفائقة للحمام الزاجل على الملاحة والعودة إلى المكان نفسه. ويوازي الطيور أمثلة أخرى من عالم الحيوان في هجرتها، كالفراشات الملكية، والكثير من الأسماك (كالسلمون والحنكليس)؛ إضافة إلى السلاحف البحرية، والحيتان العملاقة وغيرها.

 

الشكل (1) الهجرة الجماعية للطيور.

 

يتضمن التوجه لدى الحيوان جمع المعلومات عن البيئة المحيطة بوساطة مستقبلاته الحسية؛ ومن ثم معالجتها من خلال جهازه العصبي المركزي، وإعداد الاستجابات الملائمة لها. وفي حالة الهجرة الجماعية لأفراد نوع محدد تتعزز صحة توجهها عن طريق تبادل المعلومات فيما بينها، كما يمكن أن تصحح أفراد المجموعة اتجاه أحد أفرادها.

آليات التوجه الحيواني

تستفيد الحيوانات من حواسها في توجيه سلوكها لكي تصل إلى هدفها، فالمستقبلات الضوئية تفيد في التوجه بالعلامات الأرضية أو بالشمس أو بالنجوم أو بالضوء المستقطب، وتستعمل أعضاء الشم في استقبال الروائح الكيميائية؛ لترشدها إلى المكان الصحيح، وتفيد أعضاء السمع في استقبال الاهتزازات الصوتية؛ ولا سيما تلك المنعكسة مرّة أخرى عن الهدف. ولعل الحاسة المغنطيسية بالاعتماد على المغنطيسية الأرضية من أهم الحواس في التوجه لدى كثير من الحيوانات. ومن الحواس المفيدة للأحياء المائية الإحساس بضغط الماء الذي يمكنها من تعرف مسارها. ويكامل عمل المستقبلات الحسية لدى الحيوان ليستعمل كل ما هو متوفر من إشارات في الوسط المحيط به، وإذا كانت إحدى هذه الإشارات مبهمة؛ فإنه يستعمل أكثر تلك الإشارات وضوحاً.

تتعدد آليات التوجه في عالم الحيوان، وإن كان العديد منها لم يُفهم فهماً تاماً إلى اليوم. ويستعمل الحيوان أكثر من آلية في توجهه، فأفراد الحمام التي عُصبت عيونها تستطيع العودة إلى موطنها؛ إذا ما أُبْعِدَت عنه نحو كيلومتر واحد من خلال دمج الوسائط المغنطيسية والشمِّية معاً. وفيما يأتي بعض هذه الآليات:

1- التوجه بالعلامات الأرضية

تستفيد كثير من الحيوانات من حاسة البصر لرؤية الأشياء في أثناء انتقالها خصوصاً في النهار، ولتعرف المعالم الأرضية landmarks الطبوغرافية أو الجغرافية للبيئة وإدراكها وحفظها، كخطوط الشواطئ أو الأنهار أو سلاسل الجبال، أو علامات مميزة في أشكال الطرقات والأشجار ونحو ذلك؛ مما يضمن صحة التوجه، ويجعله أكثر سهولة للحيوانات المنتقلة؛ إذ تستطيع حفظ مسارات انتقالها وهجرتها اعتماداًعلى ذاكرتها البصرية اعتماداً كبيراً. والأمثلة كثيرة من عالم الحشرات والطيور والثدييات وغيرها، فكثير من الحيوانات الأهلية تستطيع العودة إلى مأواها بمفردها بسبب إدراكها وحفظها لعلامات الطرق، ويستعمل نمل الصحراء العلامات الأرضية أدلة للاسترشاد والعودة إلى عشه، وإن إغلاق مدخل العش يجعله يبحث عنه بانتظام حتى يجده، ويماثله الزنبور الحفار أيضاً في العودة إلى عشه بعد طيرانه بحثاً عن الطعام. كما تمتلك الطيور ذاكرة بصرية قوية، فالحمام الزاجل يستطيع من خلالها تمييز معالم محيط عشه بداية، ومن ثم تمييزها على مسافات متباعدة تدريجياً تصل إلى 1500كم. كما تتعلم صغار الإوز مسارات انتقالها، وتحفظها في أثناء هجرتها الجماعية مستفيدة من الخبرة الملاحية للطيور الكبيرة.

 2- التوجه بالشمس

يمتلك العديد من الأنواع الحيوانية المقدرة على التوجه بالشمس، وتسمى هذه المقدرة بالبوصلة الشمسية، وتكون بإدراك جهتي شروق الشمس وغروبها، وارتفاعها، وحركتها في الأفق. فالزرزور على سبيل المثال يهاجر نهاراً معتمداً على التوجه بالشمس، لكن يفقد مهارته في التوجه عندما تتلبد السماء بالغيوم.

تقيس الحيوانات في حالة هجرتها مرور الوقت، وتضبط الزاوية مع موقع الشمس؛ لتحديد المواقع منطلقة بالاتجاه الصحيح. فللحمام مقدرة على تحديد موقعه على خط العرض من خلال إدراكه لتغير ارتفاع الشمس في الأفق، وعلى تحديد موقعه على خط الطول من خلال إدراكه لسمت الشمس مع التصحيح الزمني. علماً أن موقع الشمس يتغير بحسب خطوط العرض وفصول السنة. وعندما يشعر الحيوان في نصف الكرة الشمالي بوقت الظهيرة؛ فإنه يعرف أن الشمس ستتحرك جنوباً، فيستعمل هذه المعلومات للتوجه.

يشتهر النحل من عالم الحشرات بمقدرته على التوجه بالشمس؛ إضافة إلى أنواع أخرى كثيرة. إذ تغادر الإناث العاملة الخلية للبحث عن غذائها متوجهة إلى أماكن وجوده المحتملة وفق مسار متعرج، وعندما تجده تعود إلى الخلية عبر مسار مباشر؛ لتنقل المعلومات المخزونة في ذاكرتها - من خلال رقصها المتعرج على ألواح الشمع الشاقولية في الخلية - عن بُعده وجهته وكذلك قيمته الغذائية (الشكل 2). وتخبر بقية أفراد المجموعة عن الزاوية بين اتجاه الغذاء واتجاه الشمس بوساطة الزاوية بين محور الرقص والمحور الرأسي للقرص. وعندما تميل الشمس نحو الغروب يدور محور الرقص بعكس عقارب الساعة. ويقدر بُعد الغذاء عن الخلية عن طريق استمرارها بالرقص؛ إضافة إلى إدراك كمية الطاقة المستهلكة خلال جولتها.

الشكل (2) التوجه بوساطة الشمس لدى نحل العسل.

 

من الأمثلة أيضاً قشري الرمل Talitrus saltator المعروف ببرغوث الرمل (الشكل 3)، وهو من القشريات التي تعتمد على الملاحة السماوية من خلال موقع الشمس. يعيش هذا البرغوت في المناطق الشاطئية، ويتحرك عبر البحر خلال المد والجزر، وتسمح "الساعة الداخلية" لديه بالتوجه في الوقت المناسب.

الشكل (3) قشري الرمل  Talitrus saltator.

3- التوجه بالسماء والنجوم

يستطيع العديد من الأنواع الحيوانية التوجه ليلاً بالاعتماد على مواقع النجوم، وتسمى هذه المقدرة بالبوصلة النجمية، وتتطلب ساعة داخلية دقيقة. فالطيور تعرف أنماط توزع النجوم في السماء، وتحدد مكان نجم القطب الذي يشير إلى الشمال، ويسمى نجم الشمال. وبهذا تستطيع الطيور تمييز الشمال الحقيقي حتى عندما لا يُرى إلا جزء من السماء؛ لذلك فكثير من الأنواع تهاجر ليلاً بسبب امتلاكها هذه المقدرة من جهة، ولأن المفترسات تكون في الليل قليلة من جهة أخرى. فالعصفور اللازوردي  Passerina cyanea(الشكل 4يهاجر غالباً في الليل، ويستعمل النجوم بتوجهه في أثناء هجرته من جنوبي كندا إلى شمالي فلوريدا خلال موسم التكاثر، ومن جنوبي فلوريدا إلى شمالي أمريكا الجنوبية شتاء. وكذلك تستطيع البطة البرية Anas platyrhynchos (الشكل 5 وصائد الذباب المبقع، وهازجة الحدائق وغيرها تحديد الاتجاه نحو الشمال من خلال تمييزها لنجم القطب.

الشكل (4) العصفور اللازوردي Pass erina cyanea
       الشكل (5) البطة البرية  Anas platyrhynchos

 

توجد القدرة عند بعض الأنواع -كالنمل الأحمر في الغابات- على التوجه بتحديد موقع القمر. وقد عُرف في عام  2003أن خنافس الروث (الشكل6 ) - كخنفساء الروث الزامبية Scarabaeuszambesianus التي تعيش في إفريقيا - تستطيع استعمال النموذج المستقطب من ضوء القمر في أثناء انتقالها، ولكن في عام 2013 عرفت مقدرتها على الملاحة بالاستدلال بالنجوم عندما تكون ساطعة، أو عندما تكون مجموعة درب التبانة واضحة.

الشكل (6) خنفساء الروث.

4- التوجه بالضوء المستقطب

تستطيع بعض الحيوانات تسجيل درجة الإضاءة، وتكوين الطيفية للضوء، ودرجة الاستقطاب بما تمتلكه من أعضاء خاصة مستقبلة للضوء عندما تكون السماء غائمة، أو قبل الشروق أو بعد الغروب بقليل. فبعض الحيوانات وخاصة الحشرات - كنحل العسل - يمكنها استعمال الضوء المستقطب عندما تكون السماء ملبدة بالغيوم من خلال تقدير موقع الشمس في السماء. كذلك يستعمل السلمندر الضوء المستقطب في توجيه حركته نحو اليابسة أو المياه.

ثمة حيوان صغير يعيش على قاع البحر أو فيه، وينتمي إلى صف حبليات الرأس - هو دقيق الطرفين (أو السهيم) Branchiostoma lanceolatum (الشكل 7)- يستطيع أن يحمي نفسه من المفترسات باستشعاره فيما إذا كان جسمه مطموراً بأكمله بالرمل في الأسفل بوساطة خلايا حساسة للضوء تسمى خلايا هيس Hess، تقع على طول أنبوبه العصبي على امتداد الجسم.

الشكل (7) دقيق الطرفين Branchiostoma lanceolatum.

 

تتوجه بعض الحشرات المائية أيضاً بالضوء المستقطب مثل البقة ظهرية السباحة، وهي حشرة تنتمي إلى فصيلة Notonectidae، تسبح وظهرها مقلوب نحو الأسفل، وتنجذب بالضوء المستقطب المنعكس أفقياً عن الأسطح اللامعة (كأسطح المياه الراكدة) نحو الموائل المناسبة.

5- التوجه بالمغنطيسية الأرضية

تستطيع كثير من الحيوانات التوجه معتمدة على المغنطيسية الأرضية بما تمتلكه من مقدرة على تحديد الحقل المغنطيسي للأرض، وتُعرف هذه المقدرة بالبوصلة المغنطيسية. وتوجد لدى العديد من اللافقاريات، مثل البلاناريا، والحشرات كالذباب والخنافس والفراشات الملكية، والفقاريات كالخلد، والطيور، بدءاً من تلك التي تهاجر موسمياً، كأبي الحناء؛ إلى تلك الخبيرة في الملاحة كالحمام الزاجل. ويمكن لهذه البوصلة أن تفسر الإحساس الشديد بالاتجاه لدى الحيوانات المائية المهاجرة، مثل السلاحف البحرية (الشكل 8) وسمك القرش والحيتان والدلافين.

الشكل (8) السلحفاة البحرية ضخمة الرأس ومسارات توجهها.

 

تُقَشَّر الطبيعة المغنطيسية للأرض حالياً بنظريات عديدة، ولعلّ أشهرها التي تقول: إنها ناجمة عن وجود تيارات كهربائية، يتولد منها المجال المغنطيسي للأرض، الذي ينشأ بتوفر ثلاثة عوامل:الطبقة الحديدية المنصهرة التي تعلو نواة الأرض، وحرارة باطن الأرض، ودوران الكرة الأرضية.

تستخدم الطيور الحقل المغنطيسي للأرض من أجل تحديد اتجاهها، ولكنها لا تقرأ اتجاه الشمال الغربي كما يفعل البشر باستخدام البوصلة، وإنما تشعر بزاوية الحقل المغنطيسي مع سطح الأرض؛ إذ تتوازى الخطوط المغنطيسية مع سطح الأرض قرب خط الاستواء، وتصير قائمة مع سطح الأرض بالاقتراب من القطب المغنطيسي.

إن حرمان بعض الطيور كالحمام الزاجل من استخدام الموجهات الطبوغرافية والفلكية لا يفقده المقدرة على التوجه، في حين يضطرب توجهه في الظروف نفسها عند تثبيت مغنطيس صغير على رأسه. ويعتقد أنه يستفيد من المعلومات المغنطيسية للأرض (الجاذبية) في تحديد خط العرض، ومن القوة النابذة للأرض في تحديد خط الطول.

يعتمد التوجه البوصلي على وجود مغانط دقيقة، هي بلورات المغنتيت magnetite (أكسيد الحديد الأسود) الموجودة داخل خلايا حسية في أماكن محددة من الجسم كالأذن أو الأنف أو العين (الشكل 9). توجد لدى الطيور خلايا حسية ذات أهداب، مسؤولة عن كشف الصوت والجاذبية. ولكل خلية بلورة واحدة من المغنتيت أصغر بـ2000 مرّة من قطر شعرة الإنسان. ويعتقد أن الحديد يساعد الطيور على العثور على طريقها بمعرفة ما إذا كانت تطير إلى الشمال أو الجنوب. فالطيور تستخدم آلية استشعار مغنطيسي متطورة تعتمد على الضوء للتنقل، وتعتمد بشكل أساسي على التفاعلات الكمومية داخل بروتينات الكريبتوكروم cryptochrome في عيونها. تُكوّن هذه البروتينات، وتحديداً الكريبتوكروم 4، أزواجاً جذرية عند تعرضها للضوء، مما يسمح للطيور برؤية المجال المغنطيسي للأرض. وهناك آلية ثانوية، أقل تأكيدًا، تعتمد على مستقبلات مغنطيسية في المنقار تستشعر شدة المجال المغنطيسي. لكن ما تزال  آلية الاستشعار المغنطيسي غير مفهومة فهماً تاماً.   

أ. خلايا من الأذن الداخلية للحمام مصبوغة بصبغة تلون بلورة الحديد بالأزرق. ب. رسم تخطيطي لخلية فيها بلورة حديد تحت الأهداب.

الشكل (9).

 

لا تقتصر التغيرات في مجال الأرض على التغيرات في ميل المجال المغنطيسي للأرض باستمرار من قطب إلى القطب الآخر، وإنما تولد المعادن المغنطيسية في القشرة الأرضية شذوذات محلية بالاتجاه والقوة. لكن يبدو أن بعض الحيوانات -خصوصاً السلاحف البحرية- لديها خريطة ذهنية لتلك الشذوذات تساعدها على معرفة موقع الشمال؛ وموقعها بالنسبة إلى وجهتها أيضاً.

يعتقد بعض العلماء بعد اكتشاف بروتين الكريپتوكروم على شكل صبغة في شبكية العين بالثدييات أنه يساعد الثدييات على ضبط دورة الليل والنهار، وأنه يمتلك الخصائص الضرورية لحاسة البوصلة المغنطيسية، وأن خلايا معيّنة في شبكية العين قد تكون قادرة على الاستفادة من انبعاث أشفاع الجذور الحرة في الشبكية للكشف عن اتجاه المجال المغنطيسي للأرض.

6- التوجه بالشم

تدل كثير من المشاهدات على اعتماد أنواع حيوانية كثيرة على الروائح كإشارات كيميائية في هجرتها أو توجهها، وإن كانت هناك بعض العوائق كوجود الرياح في أثناء هجرة الحيوانات على اليابسة. وتستفيد الطيور في توجهها من حاسة الشم لديها، وتضل طريقها في حالة قطع عصب الأنف جراحياً. ويعتقد أن كثيراً من الحيوانات تتوجه بفعل مواد كيميائية تسمى الفيرومونات pheromones، وهي مواد يطلقها بعض الأفراد؛ لتؤثر في سلوك أفراد أخرى من النوع نفسه، فالنحل يبتعد أحياناً كيلومترات عن خليته، ويعود إليها من دون عناء. كما تتمكن بعض ذكور العث saturniids من تحديد مكان الأنثى التي أفرزت رائحة على بُعد10كم.

أما الحيوانات المائية فتشتهر من بينها الحيتان وأسماك السلمون والحنكليس وغيرها في اعتماد الرائحة من أجل التوجه. فصغار أسماك السلمون تحفظ رائحة جداول الأنهار العذبة التي كانت تعيش فيها في اليوم الأول من هجرتها، ثم تغادرها، وتنمو في المحيطات، وبعد أن تقضي هناك سبع سنوات، وتنضج جنسياً؛ تبدأ رحلة من أغرب الرحلات؛ لتعود قاطعة مسافات طويلة جداً تبلغ آلاف الكيلومترات من أجل تكاثرها ووضع البيض في الجدول نفسه الذي غادرته عندما كانت فتية، إذ تمتلك حاسة شم فائقة تمكنها من تمييز الروائح العديدة خلال رحلة العودة، ومقارنتها بتلك الرائحة المخزونة في ذاكرتها الشمية للاهتداء إلى اتجاهها الصحيح.

7- التوجه بتغيرات ضغط الماء

لبعض الحيوانات المائية مُسْتَقْبِلات خاصة تساعدها على توجهها، وتمكنها من معرفة ما تتعرض له من ارتفاع عمود الماء فوق أجسامها، وكشف تغيراته وتحديد اتجاهه. فالأسماك التي تنتقل في المياه الموحلة أو التي تنشط ليلاً تستطيع التفريق بين الكائنات الحية وغير الحية من خلال مستقبلات في جدار الكيس السباحي الذي يعرف بمثانة العوم أو المثانة الهوائية. وهو كيس يقع تحت العمود الفقري، ويكون لدى معظم الأسماك العظمية، ويزوِّدها بمعلومات عن التغيرات الطفيفة في ضغط المياه واتجاهه، ويساعدها على البقاء عند عمق معيّن. وتكتسب غالبية الأسماك قابليتها للطفو بنفخ مثانة العوم بالغازات التي يزودها الدم بها. ولكن ضغط الماء يزداد مع العمق، وكلّما سبحت السمكة نحو مياه أعمق أدى الضغط إلى جعل مثانة العوم أصغر حجماً، وبذلك يقلّل من قابلية السمكة للطفو؛ لذلك يقوم الجهاز العصبي بالتنظيم الآلي لكمية الغاز بداخلها حتى يمكن حفظها منتفخة بطريقة مناسبة.

تمتلك الأسماك إضافة إلى ذلك عضواً خاصاً يعرف بالخط الجانبي. يتألف من قنوات تكون في الرأس؛ وقناتين تمتدان على طول جانبي الجذع تحت الجلد. وتحتوي هذه القنوات على مستقبلات خاصة تتحسس بتغيرات الضغط والتيارات المائية والحركات التي تسببها الحيوانات من حولها، وتسمح باستشعار الحواجز التي تعترضها من خلال إدراك الموجات المائية المنعكسة عن الأشياء بحسب طبيعتها. فإذا تغير جريان الماء حول السمكة أدى ذلك إلى تغير نمط الاهتزازات التي يحسّ بها الخط الجانبي، فتنقل الأعصاب هذه المعلومات إلى الدماغ؛ مما يسمح للسمكة بتوجيه نفسها وصيد فرائسها، أو الابتعاد عن أي خطر يدهمها.

مراجع للاستزادة:

 - G. HorváthPolarization Vision and Environmental Polarized Light (Springer Series in Vision Research), Springer, 2024.

 - J. Moore، M. D. Breed, Encyclopedia of Animal Behavior,  Elsevier, 2010.

 - T. Rana, Principles of Animal Behavior Mechanisms, Ecology, and Applications in Veterinary Science, CRC Press, 2026.

 - H. Satz, How Birds Find Their Way: Avian Orientation and Navigation, pringer, 2025.

 


- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1