تنقيه حيويه
Bioleaching -

 التنقية الحيوية

عدنان علي نظام

مصادر الأحياء الدقيقة المهمة في عملية التنقية الحيوية الأحياء الدقيقة المهمة في التنقية
طرائق التنقية الحيوية بالغسل المعادن التي يمكن استخلاصها
الشروط الضرورية لإجراء التنقية الحيوية الأهمية الاقتصادية والبيئية للأحياء الدقيقة
 

يقصد بعملية التنقية الحيوية أو الاستخلاص الحيوي (البيولوجي)  bioleachingإذابة solubilization المعدن باستخدام الكائنات الدقيقة؛ إذ يمكن اعتماداً على نشاط أنواع معينة من الأحياء الدقيقة، ولاسيما البكتريا استخلاص المعادن الخالصة من خاماتها غير القابلة للذوبان مثل النحاس، أو للتخلص من بعض المواد الضارة في المخلفات أو في الأوساط البيئية. ومن ثم فإن مصطلح التنقية الحيوية يعني الاستفادة من الأحياء الدقيقة في عملية تحويل المعادن الصلبة إلى صيغها الذوابة بالماء.

تعد التنقية الحيوية من التقنيات التي تطورت تدريجياً عبر أكثر من قرن، حيث انتقلت من ملاحظة طبيعية إلى تطبيق صناعي متقدم.

كانت البدايات في أواخر القرن التاسع عشر،  حيث لاحظ العلماء أن مياه المناجم الحمضية تحتوي على معادن مذابة، ولم يكن معروفاً حينها أن الكائنات الحية الدقيقة هي السبب، بل نُسبت العملية إلى تفاعلات كيميائية فقط. وذلك حتى عام 1947 حيث اكتشف العلماء أن بكتريا مثل  Acidithiobacillus ferrooxidans تؤدي دوراً رئيسياً في أكسدة الحديد والكبريت. كان هذا الاكتشاف بمنزلة نقطة التحول من "كيمياء بحتة" إلى "عملية حيوية". ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي كانت الانطلاقة الصناعية؛ حيث بدأت شركات التعدين باستخدام  هذه التقنية لاستخراج النحاس من الخامات المنخفضة الجودة، وأصبحت الطريقة الاقتصادية في الحالات التي تكون فيها الطرائق التقليدية مكلفة، ثم انتقلت إلى مرحلة التطوير والتوسع حيث طورت مفاعلات حيوية Bioreactors لاستخدام البكتريا بكفاءة أعلى. وتوسع الاستخدام ليشمل الذهب واليورانيوم، وأدخلت تقنيات متقدمة مثل: الهندسة الوراثية لتحسين البكتريا والذكاء الاصطناعي لمراقبة العمليات واستخدام النفايات الإلكترونية واستخراج العناصر الأرضية النادرة، وقد استخدمت  في أبحاث حديثة في الفضاء.

وتعد هذه التقنية اليوم من أهم تقنيات التعدين المستدام التي تجمع بين: العلم الحيوي والهندسة الكيميائية والتقانات الحديثة.

مصادر الأحياء الدقيقة المهمة في عملية التنقية الحيوية

 تنتشر أكثر الأحياء الدقيقة أهمية في البيئات القاسية التي تتصف بتأثيراتها النوعية؛ مثل: القيمة المنخفضة لدرجة الحموضة (الباهاء pH) ودرجة الحرارة العالية، ومن أنواع البكتريا: العصوية الكبريتية المؤكسدة للحديد Thiobacillus ferrooxidans، العصوية الكبريتية المؤكسدة للكبريت Thiobacillus thiooxidans، الحُلَيْزِنة الرقيقة المؤكسدة للحديد Leptospirillum ferrooxidans، وقد أمكن عزل العصوية الكبريتية الحَمْضية المؤكسدة للكبريت Acidithiobacillus thiooxidans من الحمأة sludge المنزوعة الماء التي تعرّضت للهضم اللاهوائي (الكدارة: مادة شبه صلبة موحلة تتشكل غالباً بصفتها منتجاً ثانوياً لعمليات المعالجة الصناعية أو معالجة مياه الصرف الصحي. ويمكن أن تصف أيضاً بالتربة السميكة والرطبة أو الرواسب مثل الطين أو الوحل أو الطين الموجود في الأنهار أو على الأرض.).

طرائق التنقية الحيوية بالغسل

 يمكن تطبيق التنقية الحيوية باستعمال مفاعلات reactors تعتمد على أحواض تحريك مستمر؛ مع إعادة تدوير الحمأة؛ أو من دونها، وتُستعمل البكتريا في العديد من الحالات لتخليص المعدن المطلوب من الطبقات الرسوبية العميقة أو من التراكيز المنخفضة بالغسل، ويُعدُّ الغَسل بفعل أنواع العصوية الكبريتية الحَمْضية Acidithiobacillus طريقة بديلة من الطرائق الكيميائية لاستخلاص المعادن الثقيلة والتخلص من المعادن السامة الممكن وجودها في الحمأة المنزوعة الماء عند معالجتها.

وعموماً تتناول التنقية الحيوية عملية انْحِلال dissolution المعادن من مصادرها المعدنية بفعل عدد من الأحياء الدقيقة المنتشرة طبيعياً؛ أو باستعمال الأحياء الدقيقة لنقل العناصر، وبحيث يمكن استخراجها من المواد عند ترشيحها مع الماء.

يعتمد فعل البكتريا والفطريات في إذابة المعادن أساساً على ثلاثة مبادئ: الانحلال في وسط حمضي، والانحلال بتكوين مركب أكثر تعقيداً، أو بتكوين مركب أكثر بساطة، وبذلك تبدو الأحياء الدقيقة قادرة على تحويل المعادن عن طريق:

·         تكوين الحموض العضوية واللاعضوية.

·         تفاعلات الأكسدة والإرجاع.  

·         طرح الوسائل التي تعمل على تكوين مركبات أكثر تعقيداً وإفرازها.

ويمكن تلخيص هذه العملية كالآتي: تميل الخلايا إلى الارتباط بالمعادن والتماس الفيزيائي مع سطوحها، تكوّن هذه الخلايا البوليمرات polymers الخارجية وتفرزها، وعندئذ تتضمن الغُلُف مركبات الحديد fe3+ التي تعقدت إلى بقايا حمض الغلوكوروني، وهذا جزء من آلية التأثير الأولي؛ إذ تتكوّن التيوسلفات thiosulfate وتعد مادة انتقالية خلال أكسدة مركبات الكبريت، وتتكوّن حُبيبات الكبريت sulfur-أو البوليتيونات- في حيّز على محيط البلاسما أو في الغلاف الخلوي، ويوضح الشكل (1) عملية الغسل الحيوي لاستخراج المعادن.

الشكل (1) التنقية الحيوية بالغسل لخامات النحاس.

الشروط الضرورية لإجراء التنقية الحيوية

 تتأثر عملية التنقية الحيوية بعوامل عديدة مثل الأكسجين ودرجة الحموضة، حيث يعاد ترسيب النحاس وإعادة تركيبه تحت تأثير تركيز كبريتات الحديد المائية FeSO4·7H2O بفعل البكتريا لإذابة المعادن الثقيلة، وتعد زيادة تركيز كبريتات الحديد المائية أفضل طريقة لإذابة النحاس؛ لكن ليس لها أي تأثير في الزنك، أو إن تأثيرها سلبي فيه؛ مما يؤكد فرضية الآلية المباشرة لإذابة الزنك وغير المباشرة لإذابة النحاس.

أما معدل التنقية بالأحياء الدقيقة من العصوية الكبريتية الحَمْضية المؤكسدة للكبريتفيحدث على نحو أسرع في التراكيز المنخفضة للحمأة الصلبة مقارنة بالتراكيز المرتفعة، وتبدي العصوية الكبريتية الحَمْضية المؤكسدة للكبريت فاعلية في الشروط الحمضية وفي شروط الاعتدال، وغالباً ما تكون مزارع البكتريا المختلطة أكثر كفاءة في العملية، مثل الأنواع: العصوية الكبريتية المؤكسدة للحديد، والعصوية الكبريتية المؤكسدة للكبريت، الحُليْزِنة الرقيقة المؤكسدة للحديد؛ ولاسيما مع العصوية الكبريتية الحَمْضية المؤكسدة للكبريت Acidiphilium cryptum أليفة الحرارة.

تتضمن المعايير الفيزيائية الكيميائية لبيئة التنقية الحيوية بالغسل: درجة الحرارة، ودرجة الحموضة -إذ يكون في المناجم ومياه الصرف 3.0- 0.5، وقد يكون أعلى من ذلك- وكمون الأكسدة، والمحتوى من الأكسجين وتوفره، والمحتوى من ثنائي أكسيد الكربون، والتحويل الكتلويmass transfer ، ووفرة المغذيات، وتركيز الحديد الثلاثي، والضوء، والضغط، والتوتر السطحي، ووجود المثبطات.

تتناول المعايير المكروية الحيوية لبيئة التنقية الحيوية بالغسل: تنوع الأحياء الدقيقة، وكثافة الجماعة، والنشاط الحيوي، والانتشار المكاني، وتحمل المعدن، وقابلية تكيُّف الأحياء الدقيقة. أما صفات المعادن المهيئة للتنقية فهي: نمط المعدن، وتركيبه وتفككه، وحجم الحُبيبات، والمنطقة السطحية، والمسامية، وكره الماء، وتكوين المعادن الثانوية.

وهناك عامل مهم أيضاً؛ وهو أسلوب التنقية بالغسل (في المختبر، أو الركام، أو المقلب، أو الخزان)، وكثافة المسحوق المعدني، ومعدل الفاعلية (في حال عمليات التنقية بالأحواض)، وأبعاد الركام (في حال التنقية للركام).

نشأت تقنية التنقية الحيوية للكبريتيد فعلاً، وهي مطبقة على نطاق واسع على قاعدة استخلاص المعادن والمعالجة الأولية لخامات الذهب قبل التصنيع، وتتضمن معظم العمليات استعمال أنماط العصوية الكبريتية والحُليْزِنة الرقيقة أليفة الاعتدال mesophiles في وسط حرارته 20º45س التي تؤكسد الحديد الثنائي إلى الحديد الثلاثي بالأكسجين على سطح المعدن أو قربه؛ إذ يتأكسد المعدن كيميائياً بفعل إيونات الحديد، وتوجد في البيئة أنواع تنشط في درجة الحرارة º30س؛ وأخرى تنشط في º48س؛ وثالثة تنشط في درجة الحرارة º68س.

تؤدي عملية أكسدة الحديد الثنائي (الحديدي) إلى تكوين الحديد الثلاثي(الحديديك) عند استعمال كبريتات الحديدي ركيزة؛ فهي بذلك مؤكسد يسبب إذابة المعادن، وإن كمية كبريتات الحديدي المستعملة في التنقية الحيوية للمعادن تؤثر في نسبة الحديد الثنائي؛ ومن ثمّ في درجة الحموضة، وقد لا يكفي استعمال تراكيز أخفض من كبريتات الحديدي لتغيير درجة الحموضة وإذابة المعادن؛ وبالمقابل لن تؤدي زيادة كبريتات الحديدي إلى ذوبان المعادن، لكنها تزيد الكلفة، إضافة إلى أن الإفراط بالحديد يسبب نشوء كميات هائلة من الحمأة التي يجلب طرحها مشكلة إضافية، لذلك يعدّ تركيز كبريتات الحديدي معياراً مهماً لأمثلة كفاءة التنقية الحيوية، لكن المحتوى الأعلى من الحمأة الصلبة يعمل على خفض درجة الحموضة فيقلل القدرة العالية لوقائية الحمأة، وفي النهاية يتطلب وقتاً لبلوغ قيم درجة الحموضة اللازمة لإذابة المعادن.

الأحياء الدقيقة المهمة في التنقية

جرى عزل بعض الأنواع البكترية القادرة على غسل المعادن من خاماتها في العشرينيات من القرن العشرين أولاً؛ غير أن تحديد أنواعها تأخّر حتى عام 1947، وكانت العصوية الكبريتية المؤكسدة للحديد مسؤولة عن غسل خامات كبريت الحديد أساساً، فالأحياء الدقيقة كالعصوية الكبريتية والحُليْزِنة الرقيقة والسُولفولُوبس Sulfolobus قادرة على استخراج المعادن من خاماتها، وتستمد الطاقة من أكسدة المواد اللاعضوية (ذاتية التغذية الكيميائية) في غياب مصدر الكربون العضوي وباستعمال ثنائي أكسيد الكربون، وكذلك فإن الفطريات - مثل الأنواع: المكنَسيّة الواسعة expansum Penicillium، والسكوبولاريوبسي بريڤيكوليس Scopulariopsis brevicaulis، والرَّشاشية السوداء Aspergillus niger- تتمكن من إذابة الشعيرات البلورية لسليكات الألمنيوم والسليكات لاستخلاص الألمنيوم، ويتعرض مختلف المعادن كالزنك والنحاس والكروم والرصاص والنيكل والألمنيوم للإذابة بفعل العصوية الكبريتية الحَمْضية المؤكسدة للكبريت.

تنتشر مجموعة من الأحياء الدقيقة في البيئات التي تحدث فيها عمليات تنقية، ويساعدها على ذلك ظروف بيئية مختلفة، ويتضمن ذلك البكتريا والفطريات والطحالب، فمن البكتريا العصوية الكبريتية؛ ومن الخمائر رودوتورلا Rhodotorula وشعري البوغTrichosporon ؛ ومن السوطيات أوتربيا Eutrepia، وكذلك تؤلف الأميبات amoebes والحيوانات الأوالي protozoa جزءاً من مجتمعات الأحياء الدقيقة الموجودة في المياه الحمضية في مناجم النحاس.

ويمكن إجمال تنوع الأحياء الدقيقة في بيئات التنقية الحيوية الحمضية وصرف المناجم الحمضية كالآتي:

من البدئيات Archaea، مثل:

Acidianus ambivalens, Ferroplasma acidiphilum, Metallosphaera prunae, Sulfolobus acidocaldarius, Sulfolobus metallicus, Sulfurococcus mirabilis, Thermoplasma acidophilum.

من البكتريا:

Acidimicrobium ferrooxidans, Acidiphilium angustum, Arthrobacter sp., Bacillus sp., Bacillus coagulans, Bacillus megaterium, Gallionella sp., Leptospirillum thermoferrooxidans, Pseudomonas putida, Staphylococcus lactis, Thiobacillus denitrificans, Thiobacillus ferrooxidans, Thiobacillus thiooxidans.

من الفطريات:

Aspergillus awamori, Aspergillus fumigatus, Aspergillus niger, Cladosporium sp., Fusarium sp., Penicillium chrysogenum, Penicillium notatum, Rhizopus japonicus, Trichoderma viride.

ومن الخمائر:

Candida lipolytica, Rhodotorula sp., Saccharomyces cerevisiae, Torulopsis sp.

ولم يجرِ تعريف أنواع تابعة للطحالب والأميبات والحيوانات الأوالي.

المعادن التي يمكن استخلاصها

 يمكن استعمال الأحياء الدقيقة ولاسيما البكتريا في التنقية الحيوية بالغسل للخامات ومياه الصرف والمخلفات؛ واستخلاص المعادن الآتية: النحاس والزنك والنيكل والكادميوم والكروم والرصاص والألمنيوم والذهب والفضة.

الأهمية الاقتصادية والبيئية للأحياء الدقيقة

 يمكن استعمال البكتريا في العديد من الحالات للغسل الحيوي للمعدن المطلوب من الطبقات الرسوبية العميقة أو من التراكيز المنخفضة، ولا يتضمن ذلك إزالتها من أعماق الأرض؛ أي بكلفة أقل بكثير، وقد يكون الغسل للخامات والركازات - بما يتطلبه من قدر ضئيل من الطاقة - الطريقة البديلة للعمليات الموفرة للطاقة عند استخلاص المعادن من خاماتها، وفي الوقت نفسه يجري صون البيئة من مصادر التلوث الخطر، وكذلك يمكن إزالة الكبريت من الوقود الأحفوري المسبب الرئيس للمطر الحمضي باستعمال العصوية الكبريتية والحُليزنة الرقيقة والسُولفولُوبس.

ويمكن إزالة الحديد من الرمل المحتوي نحو 0.1% حديد، ومن الكاولين kaolin مع حديد ذي محتوى أعلى بنحو عشر مرات، فيصبح الرمل المعالج ملائماً لصناعة الزجاج ذي النوعية العالية، كما أن إزالة الحديد من الكاولين يزيد بياضَه، ويصبح أكثر ملاءمة للاستعمال الصناعي - كالخزف (أطباق الصيني) والورق ذي النوعية العالية - ولأكثر تحملاً للنار (درجة الحرارة 1670– º1750س)؛ لتغدو مثالية لتكوين المواد المقاومة للحريق.

ولما كانت محطات معالجة مياه الصرف الصحي المنزلي قد أخذت تنتشر على نطاق واسع؛ فإن تقانة إزالة المعادن السامة من الحمأة الناتجة توفر طريقة جديدة اقتصادية وصديقة للبيئة، وتسمح باستعمال الحمأة المعالجة بوصفها مخصِّبات في الأعمال الزراعية؛ بسبب ما تحمله من العناصر (كالآزوت والفسفور والبوتاسيوم وغيرها). ويمكن استخلاص المعادن من مواد المخلفات الإلكترونية باستعمال العصوية الكبريتية المؤكسدة للكبريت، والعصوية الكبريتية المؤكسدة للحديد، وفطريات الرَّشاشية السوداء، والمكنسِيّة Penicillium simplicissimum التي نمت بوجود المخلفات الإلكترونية؛ وبتكوين الحموض اللاعضوية والعضوية.

كذلك تستخلص المعادن النفيسة كالذهب والفضة بمقادير ضئيلة - على الرغم من تطبيق المعالجة المناسبة وعملية الاسترداد - ومن المحتم أن يفيد هذا الأمر بوصفه مصدراً ثانوياً للمعادن، وتسمح تقنيات التعدين المائي الحيوي بتدوير المعادن بعملية مشابهة للدورات الحيوية الأرضية الكيميائية biogeochemical cycles، باستعمال التقانات الحيوية، وتزداد كفاءة الاسترداد لأن الطرائق الحرارية thermal أو الفيزيائية أو الكيميائية بمفردها تبدو أقل نجاحاً كما كان واضحاً في تعدين mining النحاس والذهب.

يجب إعادة المعادن المغسولة والمستردة واستعمالها مواد خاماً في الصناعات المعدنية، وقد أمكن استعمال البكتريا والفطريات غيريات التغذية heterotrophic - كالعصويات spBacillus ، وخميرة الجعة (الخبز) Saccharomyces cerevisiae - في استخلاص الرصاص والنحاس.

ولما كانت رواسب القاع في النظم المائية الطبيعية تتميز بدور مهم؛ فهي موضع للتلوث وتركُّز المعادن، وهي كذلك مصدر للملوثات في الطبقة المائية والأحياء حتى عند استعمالها في استصلاح الأراضي؛ لذلك لابد من معالجتها وإزالة سمية المخلفات الصناعية.

إن التنقية الحيوية بالغسل سهلة التطبيق وأقل تطلباً للتجهيزات والطاقة وتوظيف رأس المال، كما أن التأثيرات المعاكسة في البيئة أقل إلى حد بعيد. ويمكن تطبيق هذه العملية باستعمال البكتريا المؤكسدة للكبريت لاستخلاص المعادن الثقيلة من الرواسب المائية الملوثة كالأنواع: العصوية الكبريتية الثيوباروس، والعصوية الكبريتية المؤكسدة للكبريت، والعصوية الكبريتية المؤكسدة للحديد.

وتعطي المزارع المختلطة للنوعين الأوليين نتائج أفضل اقتصادياً في وسط قيم درجة الحموضة فيه متعادلة مقارنة بالنظم الأخرى؛ في وسط قيم درجة الحموضة فيه حمضية، ويتعلق ذلك بالسلالة البكترية، ونمط الركازة وكميتها، والمكون الصلب، وحجم الجسيمات، وتراكيز ثنائي أكسيد الكربون والأكسجين، ودرجة الحموضة، وكمون الأكسدة، وتكاد تكون قيم درجة الحموضة العامل الأساسي في تحديد انحلال المعادن الثقيلة.   

تكتسب التنقية الحيوية بالغسل المتضمنة بكتريا الحديد والمؤكسدة للكبريت أهمية لكونها طريقة فعالة واقتصادية للتخلص من الحمأة، فاستعمال الأحياء المؤكسدة للحديد وكبريتات الحديد - بوصفها مصدراً للطاقة - عملية رشيدة وأقل خطراً على حمضية التربة.

تتمكّن الأحياء الدقيقة - كالبكتريا والفطريات - من تحويل مركبات المعادن إلى صيغ منحلة بالماء، وتبدو حفازات حيوية biocatalysts لعمليات التنقية، وهي قادرة على استرجاع جيد للمعادن من المخلفات الصناعية التي يمكن أن تفيد في كونها مواد خامة ثانوية.

ونظراً لازدياد الطلب على المعادن تبرز ضرورة استعمال الأحياء الدقيقة لاستخراج أكبر قدر ممكن من المعادن المهمة، ويتطلب ذلك أيضاً دراسة الوراثة الجزيئية للأنواع المهمة منها في هذا المجال وتحسينها، وقد يكون ضرورياً أيضاً استعمال أنواع أخرى من البكتريا المؤشبة، كالآتي:

-         تحديد الصفات المناسبة؛ فهناك واسمات لتحديد السلالات البكترية المحوّرة وراثياً واختيارها.

-           تحديد جزيئات الدنا المفيدة لإدخال جينات جديدة إلى الأنواع البكترية المطلوبة وتمييزها.

-          تطوير وسيلة الإدخال في السلالات الآخذة باستعمال البلاسميدات التي تحمل صفات إضافية ولاسيما المقاومة منها.

-         عزل الجينات المرمزة للصفات المطلوبة وإدخالها في الأنواع البكترية المطلوبة للاستثمار.

-          أن تكون البكتريا المحوّرة مقاومة للتسمم بالمعدن الثقيل، وقد تتطلب عناصر غذائية أخرى لتنميتها.

-          يمكن بالتحوير الوراثي تحسين قدرة السلالة على استخلاص المعدن من خامات تحتوي على مركبات أخرى سامة.

-          يمكن تحسين العملية باستعمال طافرات mutants تنشط بتأثير عوامل النمو كأحد الحموض الأمينية أو الڤيتامين أو مادة غذائية أخرى.

يوضح الشكل (2) مقارنة بين طرائق الاستخلاص الحيوي المستخدمة وآلية عملها وميزاتها وكذلك عيوبها.

الشكل (2).

 

شهدت تقنية الاستخلاص الحيوي للمعادن باستخدام الكائنات الدقيقة تطوراً سريعاً في السنوات الأخيرة، خاصة بين 2024–2026، نتيجة الحاجة إلى تعدين أكثر استدامة وأقل تلويثاً. لعل أبرزها استخدام الذكاء الاصطناعي مع البكتريا إذ يجري الآن دمج الذكاء الاصطناعي  لتحسين أداء البكتريا والتحكم في شروط التفاعل بهدف زيادة سرعة الاستخلاص وتقليل التكاليف. كما يجري تطوير سلالات من البكتريا معدلة وراثياً متخصصة لكل نوع خام تتصف بأنها تتحمل درجات حرارة عالية وتعمل بكفاءة في بيئات شديدة الحموضة وتزيد معدل استخلاص المعادن.

كما توسع استخدام هذه التقنية ليشملالعناصر أو المعادن الأرضية النادرة من مثل الكوبالت والليثيوم المهمة جداً في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والإلكترونيات الحديثة، وهناك أبحاث حديثة تُظهر إمكان استخدامتقنية الاستخلاص الحيوي  في الفضاء (القمر والمريخ)؛ إذ أثبت علمياً أن البكتريا يمكنها استخراج المعادن حتى في الجاذبية المنخفضة.

يشهد سوق الاستخلاص الحيوي العالمي نمواً كبيراً، حيث وصل إلى ما يقدر بنحو 2 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025؛ مما يدل على معدل نمو سنوي مركب قوي بنسبة 3.76% خلال الفترة المتوقعة 2025-2033. ويأتي هذا التوسع نتيجة الطلب المتزايد على المعادن مثل النحاس والذهب، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى ممارسات التعدين المستدامة بيئياً. ويعود ذلك إلى عد الاستخلاص الحيوي بديلاً أكثر خضرة لعمليات التعدين المائي والحراري التقليدية، حيث يوفر استهلاكاً أقل للطاقة وبصمة بيئية أقل، مما يجعله خياراً جذاباً لعمليات التعدين في جميع أنحاء العالم. إن قدرة التقانة على استخراج المعادن الثمينة بكفاءة من الخامات منخفضة الجودة ومخلفات المناجم تزيد من ترسيخ مكانتها في السوق الذي يتميز بالابتكار المستمر، إذ  يستثمر اللاعبون الرئيسيون في البحث والتطوير لتحسين السلالات المكروبية ومعايير العملية لتحسين استخراج المعادن. ويوضح الشكل (3) مخططاً لمعدل نمو سوق الاستخلاص الحيوي المتوقع خلال الأعوام 2025-2031.

الشكل (3).

مراجع للاستزادة:

- عدنان علي نظام، الميكروبيولوجيا الصناعية، منشورات جامعة دمشق، كلية العلوم، 2015.

- جين. ل. ماركس Jean L. Matrx، ثورة في التكنولوجيا الحيوية. ترجمة هاشم أحمد محمد، مراجعة إبراهيم إبراهيم، مكتبة الأسرة، القاهرة 2009.

- M. N. V. Prasad, M. H.  Fulekar, Biotechnological Innovations in the Mineral-Metal Industry. springer 2024.

- S. Das, H. R. Dash, Biological metal recovery from wastewaters. Springer 2024.

- S.Panda, L. B.Sukla, Biohydrometallurgical Processes: Metal Recovery and Remediation. CRC Press 2024.

 


- التصنيف : الوراثة والتقانات الحيوية - النوع : الوراثة والتقانات الحيوية - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1